كيف نجحت إسرائيل في تدجين الإسلام السياسي؟ دراسة تكشف التفاصيل
كيف نجحت إسرائيل في تدجين الإسلام السياسي؟

إسرائيل والإسلام السياسي: علاقة معقدة بدأت بعد حرب 1967

في أعقاب حرب 1967، وجدت إسرائيل نفسها أمام فرصة ذهبية لاستغلال التيارات الإسلامية الناشئة كوسيلة لإضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية. فبحسب دراسة الباحث الإسرائيلي داني رابينوفيتش حول الصحوة الدينية بين المسلمين في إسرائيل، فإن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة خلق بيئة مثالية لانتعاش التيارات الإسلامية. بينما كانت الأجهزة الإسرائيلية تركز جهودها على ملاحقة حركة فتح والتنظيمات القومية واليسارية، تحولت الكليات الشرعية في الخليل ونابلس إلى مصانع لإنتاج كوادر إسلامية جديدة، من بينهم عبدالله نمر درويش ورائد صلاح وكمال الخطيب.

المفارقة: الإسلاميون كبديل للوطنيين

هنا تظهر المفارقة المهمة: إسرائيل التي كانت تلاحق كل تعبير عن الهوية الوطنية الفلسطينية، تعاملت مع النشاط الإسلامي بوصفه خطرًا أقل. فالطالب الذي يدرس الفقه بدا في نظر الشاباك والموساد أقل إزعاجًا من الطالب المنضم لفتح أو الجبهة الشعبية. وهكذا وجدت إسرائيل نفسها أمام تيار ديني صاعد يستطيع منافسة الحركة الوطنية على الشارع العربي داخل الخط الأخضر. لم يكن الأمر حبًا في الإسلاميين، بل لأن أي قوة تضعف الحركة الوطنية تخدم الحسابات الاستعمارية الإسرائيلية.

السبعينات والثمانينات: توسع الحركة الإسلامية

شهدت سبعينات وثمانينات القرن الماضي توسعًا كبيرًا في نشاط الحركة الإسلامية داخل المدن والقرى العربية. تم إنشاء رياض الأطفال واللجان الاجتماعية والهيئات الخيرية ومؤسسات الإصلاح الأسري، وقدمت خدمات لفئات شعرت أن الأحزاب العربية التقليدية لم تعد قادرة على تلبية احتياجاتها. النتيجة السياسية الأعمق كانت انتقال جزء من الجمهور العربي من خطاب التحرر الوطني إلى خطاب الهوية الدينية. من منظور المؤسسة الإسرائيلية، كان ذلك تطورًا مريحًا، فالسلطات التي رأت في منظمة التحرير الفلسطينية التهديد الرئيسي، وجدت نفسها أمام تيار منشغل ببناء المساجد والجمعيات والأنشطة الدعوية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي
بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

انقسام الحركة الإسلامية: الجناح الشمالي والجنوبي

عندما بدأ بعض رموز الحركة الإسلامية يربطون الخطاب الديني بقضايا القدس والأقصى والهوية الوطنية الفلسطينية، تغيرت المعادلة. وهذا ما حدث مع الشيخ رائد صلاح والجناح الشمالي للحركة الإسلامية. فبعد اتفاق أوسلو عام 1993، دخلت الحركة مرحلة جديدة انتهت بانقسامها عام 1996 إلى جناحين: الجناح الشمالي بقيادة رائد صلاح، الذي رفض أوسلو وركز على ملف القدس والأقصى، والجناح الجنوبي الذي اختار المشاركة في الانتخابات البرلمانية والعمل من داخل المؤسسات الإسرائيلية. ومنذ تلك اللحظة، تعاملت المؤسسة الإسرائيلية مع كل جناح بشكل مختلف: الجناح الشمالي تعرض للملاحقة والحظر والاعتقالات، إلى أن حظر رسميًا عام 2015، بينما حصل الجناح الجنوبي على مساحة أوسع للحركة السياسية، وواصل نشاطه داخل الكنيست، ثم تحول لاحقًا إلى شريك مباشر في الائتلافات الحكومية.

منصور عباس: النموذج الأمثل للإسلام السياسي المُدجّن

من هذا المسار خرج طبيب الأسنان منصور عباس، الذي تولى قيادة التيار الجنوبي. أصبح النموذج الأكثر قبولًا لدى المؤسسة الإسرائيلية. لم يكتف بالمشاركة في الكنيست، بل قاد حزبه "القائمة العربية الموحدة" إلى المشاركة في حكومة نفتالي بينيت عام 2021، وهي الحكومة التي ترأسها أحد أبرز رموز المشروع الاستيطاني. وخلال السنوات الأخيرة، قدم عباس سلسلة من المواقف المثيرة للجدل، من بينها تأكيده أن إسرائيل دولة يهودية خالصة، وتصريحاته حول الأسرى الفلسطينيين ووصفهم بـ"المخربين"، وتركيزه على الاندماج في المنظومة السياسية الإسرائيلية، ومحاولاته إفشال مشروعات الوحدة بين الأحزاب العربية.

المظاهرة أمام السفارة المصرية: تقاطع مصالح

القصة لا تتوقف عند حدود الداخل الفلسطيني، فمع مرور الوقت تحولت بعض شبكات الإسلام السياسي داخل إسرائيل إلى أدوات تأثير إقليمي. المثال الأحدث ظهر في المظاهرة التي استهدفت السفارة المصرية في تل أبيب. أي متابع للشأن الإسرائيلي يعرف أن التظاهر أمام سفارة دولة ترتبط بعلاقات استراتيجية مع إسرائيل لا يتم بقرار فردي أو عفوي؛ الموافقة الأمنية شرط أساسي. وهنا تتقاطع مصالح جماعات الإسلام السياسي مع مصالح اليمين الإسرائيلي المتطرف، فالطرفان ينظران إلى الدور المصري باعتباره عقبة أمام مشاريعهما المختلفة. فقد دفعت مصر منذ 7 أكتوبر نحو وقف الحرب على غزة ومنع التهجير وإعادة الإعمار، وهذه الأهداف لا ترضي حماس ولا أجزاء واسعة من الحكومة الإسرائيلية الحالية.

الخلاصة: إسرائيل تنظر إلى الوظيفة لا الشعارات

دراسة تجربة الحركة الإسلامية داخل إسرائيل تكشف حقيقة مهمة: إسرائيل لم تنظر يومًا إلى الحركات السياسية من زاوية الشعارات التي ترفعها، بل من زاوية الوظيفة التي تؤديها. وحين وجدت في الإسلام السياسي وسيلة لإضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية، سمحت له بالنمو. وحين وجدت في بعض تياراته شريكًا يمكن توظيفه داخل الكنيست، فتحت له أبواب النظام السياسي. وحين احتاجت إلى أدوات ضغط إعلامية وسياسية في معاركها الإقليمية، استفادت من الشبكات نفسها. فهم ظاهرة "إخوان إسرائيل" لا يبدأ من المساجد ولا ينتهي عند صناديق الاقتراع، بل يبدأ من سؤال أكثر أهمية: كيف استطاعت دولة استعمارية أن تحول جزءًا من خصومها إلى أدوات تعمل داخل المنظومة التي قامت لمواجهتها؟