رغم أن مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي فتحت بابًا جديدًا للدبلوماسية، فإن العقبة الأساسية أمام أي اتفاق نووي دائم لا تزال تتمثل في غياب صورة واضحة ومشتركة حول الوضع الراهن للبرنامج النووي الإيراني. فبعد الجولة الأولى من المحادثات رفيعة المستوى التي عُقدت في سويسرا، بدا أن المذكرة ليست "انتصارًا تاريخيًا" كما يصفها بعض المؤيدين، ولا "استسلامًا" كما يراها منتقدوها، بل تمثل إطارًا أوليًا للحوار يتضمن آليات متابعة سياسية وفنية، وخط اتصال خاصًا بمضيق هرمز، ومسارًا لمعالجة التوترات الإقليمية، بما فيها الملف اللبناني، بحسب مقال تحليلي كتبه ساهيل شاه، الباحث البارز في السياسات النووية، بمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية.
ما الذي تبقى فعليًا من البرنامج النووي الإيراني؟
وقال إن نجاح هذا المسار الدبلوماسي يتوقف على الإجابة عن سؤال جوهري: ما الذي تبقى فعليًا من البرنامج النووي الإيراني بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت منشآت إيران النووية في يونيو 2025؟ وتنص المذكرة على التزام إيران بعدم تطوير سلاح نووي، إلى جانب العمل على معالجة مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، فيما ترجأ القضايا الأكثر حساسية، مثل مستقبل التخصيب والقدرات النووية طويلة الأمد، إلى مرحلة التفاوض على اتفاق نهائي.
المحافظة على الوضع الراهن
وخلال الفترة الانتقالية، يفترض أن تحافظ طهران على الوضع الراهن لبرنامجها النووي، غير أن المشكلة تكمن في أن هذا الوضع نفسه أصبح غير واضح منذ الهجمات العسكرية التي استهدفت مواقع نطنز وفوردو وأصفهان، وما أعقبها من قيود على وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وكان آخر تقييم موثق للوكالة، الصادر في يونيو 2025، قد أشار إلى امتلاك إيران مخزونًا من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، وهي كمية كافية إذا جرى رفع مستوى تخصيبها لإنتاج عدة أسلحة نووية محتملة، إلا أن حجم هذا المخزون الحالي ومكان وجوده بعد الضربات لا يزالان غير معروفين.
تحديات التفتيش والتحقق
ولهذا السبب، يرى خبراء أن أي اتفاق مستقبلي لن يكون قابلًا للتنفيذ ما لم تتمكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية من إعادة بناء خط أساس جديد للبرنامج النووي الإيراني، يشمل تحديد حجم المواد النووية المتبقية ومواقعها وقدرات إيران الحالية على التخصيب. وفي هذا السياق، أعلن نائب الرئيس الأمريكي أن طهران وافقت على عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واصفًا الخطوة بأنها إنجاز مهم، كما تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية إجراء عمليات تفتيش واسعة النطاق لضمان ما سماه "النزاهة النووية". إلا أن طهران تنفي التوصل إلى أي ترتيبات جديدة، وتؤكد أنها لم تمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات إضافية للوصول إلى المواقع المتضررة من الهجمات، ومع ذلك، يرى مراقبون أن الخلاف قد يكون متعلقًا بالإجراءات القانونية وآليات التنفيذ أكثر من كونه خلافًا على المبدأ نفسه.
مفاوضات مرتقبة
ومن المتوقع أن تركز المفاوضات الفنية المقبلة على تفاصيل شديدة الحساسية، تشمل طبيعة عمليات التفتيش، وتواترها، والمواقع التي ستشملها، وآليات التحقق من المواد النووية والمعدات المرتبطة ببرنامج التخصيب. إلى جانب ملف التفتيش، لا تزال هناك قضايا أكثر تعقيدًا تهدد فرص التوصل إلى اتفاق نهائي، أبرزها مستقبل تخصيب اليورانيوم داخل إيران، وضمانات استمرارية الالتزامات الأمريكية بعد تغير الإدارات في واشنطن، وآليات الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، فضلًا عن تأثير التوترات الإقليمية في لبنان ومضيق هرمز على المسار التفاوضي.
شراء الوقت ومنع التصعيد
ورغم هذه التحديات، فمذكرة التفاهم الحالية حققت هدفًا أساسيًا يتمثل في شراء الوقت ومنع التصعيد، إذ نقلت الطرفين من مرحلة المواجهة العسكرية إلى طاولة التفاوض، أما نجاحها النهائي فسيعتمد على قدرة الجانبين خلال الأسابيع المقبلة على تحويل الوعود السياسية إلى ترتيبات فنية قابلة للتحقق والتنفيذ.



