تعيش الولايات المتحدة نقطة تحول تاريخية، فقد تخسر تفوقها العسكري التاريخي إذا لم تتكيف سريعًا مع عصر جديد من الحروب تقوده الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، بعدما أصبحت هذه التقنيات متاحة لخصوم أصغر وأقل قوة، وذلك في مقال كتبه بول شار، الباحث الأمريكي ومؤلف كتاب «أربع ساحات معارك»، بمجلة «فورين أفيرز».
الحرب الأمريكية الإيرانية كنموذج عملي
ويستند المقال إلى الحرب الأمريكية الإيرانية التي بدأت في 28 فبراير حتى وقف إطلاق النار، كنموذج عملي، فرغم أن الولايات المتحدة نفذت أكثر من 13 ألف غارة جوية وسيطرت على الأجواء، فإن إيران تمكنت من إطلاق أكثر من 2200 صاروخ و4400 طائرة مسيّرة، وألحقت أضرارًا بطائرات وقواعد أمريكية، ما أظهر أن التفوق العسكري التقليدي لم يعد كافيًا لتحقيق النصر.
ميزة الجيش الأمريكي تتآكل
ويرى الكاتب أن الميزة التكنولوجية التي تمتعت بها واشنطن لعقود في مجالات مثل الطائرات الشبح والأسلحة الدقيقة بدأت تتآكل، لأن الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي لم يعد حكرًا على القوى الكبرى، بل أصبح أدوات منخفضة التكلفة يمكن للدول الصغيرة والجماعات المسلحة استخدامها لإلحاق خسائر كبيرة بخصومها.
الطائرات المسيرة تغير اقتصاد الحرب
ويشير التقرير إلى أن الطائرات المسيّرة غيرت اقتصاد الحرب، إذ بات بالإمكان تدمير معدات عسكرية بمئات الملايين من الدولارات باستخدام مسيّرات أو زوارق مسيّرة لا تتجاوز قيمتها عشرات أو مئات الآلاف من الدولارات، كما أن الدفاعات الجوية الأمريكية تعتمد على صواريخ اعتراض باهظة الثمن، ما يجعل استنزافها أسهل وأرخص بالنسبة للخصوم.
وفي الوقت نفسه، يحذر الكاتب من أن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك تفوقًا حاسمًا في الذكاء الاصطناعي، فالشركات الصينية تطور نماذج منافسة تقترب بسرعة من مستوى النماذج الأمريكية، كما أن التكنولوجيا تنتشر عالميًا بوتيرة أسرع من قدرة الجيوش على استيعابها.
دمج التكنولوجيا في العقيدة العسكرية
ويؤكد أن العامل الحاسم لن يكون من يبتكر التكنولوجيا أولًا، بل من يستطيع دمجها في العقيدة العسكرية والعمليات القتالية بشكل أسرع وأكثر فعالية، ويستشهد بتجارب تاريخية أظهرت أن الجيوش التي نجحت في استغلال التقنيات الجديدة تفوقت على جيوش امتلكت التكنولوجيا نفسها لكنها فشلت في توظيفها.
ويرى أن التحدي الأكبر أمام الجيش الأمريكي ليس تقنيًا فقط، بل ثقافي وإداري أيضًا، فالمؤسسات العسكرية الكبيرة غالبًا ما تقاوم التغيير، كما أن البيروقراطية التقليدية في وزارة الدفاع لا تتناسب مع سرعة تطور الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة.
لحظة تحول تاريخية
ويخلص التقرير إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك أقوى جيش في العالم، لكنها تواجه لحظة تحول تاريخية، وإذا لم تنجح في زيادة إنتاج الطائرات المسيّرة الرخيصة، وتطوير وسائل دفاع منخفضة التكلفة، وتسريع تبني الذكاء الاصطناعي، وتعزيز التعاون مع شركات التكنولوجيا، فقد تجد نفسها خلال السنوات المقبلة أمام خصوم قادرين على تقويض تفوقها العسكري بتكلفة أقل بكثير.
ويحذر من أن قواعد الحرب تتغير بسرعة، وأن التفوق العسكري في المستقبل سيعتمد على القدرة على استخدام الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي بكفاءة أكبر، لا على امتلاك الأسلحة التقليدية الأكثر تطورًا فقط.



