مروان البرغوثي يتصدر انتخابات فتح رغم 24 عامًا في سجون الاحتلال
مروان البرغوثي يتصدر انتخابات فتح رغم 24 عامًا في السجن

مروان البرغوثي، جسد نحيل، وصوت محاصر، وحضور يخترق أسوار السجون، هكذا يظهر الأسير الفلسطيني مروان البرغوثي، والذي حصل على أكبر عدد من الأصوات في انتخابات اللجنة المركزية لحركة فتح التي جرت السبت 16 مايو 2026، رغم وجوده في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2002.

مواجهة التهديدات والصمت الساخر

حين اقتحم وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير زنزانة البرغوثي في أغسطس 2025 وهدده بالإعدام، واجه الأسير الفلسطيني تلك التهديدات بصمت ساخر تجاوزت قوته آلاف المعاجم والمقاطع الصوتية. وعندما رفضت سلطات الاحتلال الإفراج عنه ضمن صفقة التبادل التي جرت على خلفية اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، لاذ البرغوثي بجدار المقاومة ضاربًا عرض الحائط بعمليات التعذيب والترهيب الممنهجة التي يتعرض لها في سجون الاحتلال منذ 24 عامًا، بخمسة أحكام بالمؤبد و40 عامًا إضافية، بحجة قيادته الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي اندلعت في 28 سبتمبر من العام 2000، ومشاركته بتأسيس "كتائب شهداء الأقصى"، وهي الجناح العسكري لـ"فتح" في مخيم جنين.

شهادة من الزوجة

في مقدمة كتابه "غير منكسر في سبيل حرية فلسطين"، تقول زوجته فدوى البرغوثي: "لطالما تمنيت أن يسمع العالم صوت مروان نفسه، لا من خلال الضجيج المحيط به. وهذا الكتاب يتيح ذلك أخيرًا، وآمل أن يساعد الناس على فهم حقيقة مروان البرغوثي، وكيف يجسد نضال الفلسطينيين من أجل الحرية والكرامة".

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

مانديلا فلسطين

"بيظل عمر الفتى نذر للحرية"؛ هذه هي قصته، وتلك هي مواقفه، بينما أعداؤه على الجانب الآخر من الحلبة يعدون عليه أنفاسه عاجزين عن إسكاته. قضى البرغوثي فترات طويلة في الحبس الانفرادي دون أي تواصل مع عائلته، وتعرض لاعتداءات خطيرة متكررة داخل السجن. وفي نوفمبر 2025، ذكرت جريدة "ذا جارديان" البريطانية أن "البرغوثي لم ير عائلته منذ ثلاث سنوات، بينما لم يسمح لمحاميه بزيارته إلا خمس مرات خلال عامين، ومنعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارته، في خطوة تعد انتهاكًا للقانون الدولي"؛ لكنه رغم ذلك كله "لم ينكسر".

تقول "ذا جارديان": يعرف البرغوثي بدعمه لحل الدولتين، وينظر إليه على نطاق واسع كخيار محتمل لقيادة أي دولة فلسطينية مستقبلية، وهو ما يفسره أنصاره كأحد أسباب إصرار إسرائيل على إبقائه خلف القضبان. وقد أطلق عليه مؤيدوه لقب "مانديلا فلسطين"، في تشبيه يعكس رمزيته السياسية ودوره النضالي من داخل السجن. وتضيف: على الرغم من قضاء البرغوثي أكثر من عقدين في السجن، تظهر استطلاعات الرأي المتتالية أنه السياسي الفلسطيني الأكثر شعبية في غزة والضفة الغربية. وكثيرًا ما يستشهد به من قبل مؤيديه كقائد محتمل لتوحيد الصفوف بين الفصائل المتناحرة، ويوصف بـ"مانديلا فلسطين"، وسط حملات دولية تطالب بالإفراج عنه.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

نحن أصحاب الأرض

"بيظل عمر الفتى نذر للحرية"؛ في كتابه "ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي"، يلخص البرغوثي قصة فلسطين، قائلًا: "إن حقنا التاريخي والوطني في هذه الأرض حقيقة تماثل حقيقة شروق الشمس وغروبها ودوران الأرض، وإن هذا يتوجب أن يكون في ذهن كل مناضل يعتقل، ويتعرض للتحقيق، أن يدرك أنه يواجه لصًا ومغتصبًا وقاتلًا ومجرمًا يتحمل المسؤولية عن طرد أبناء شعبنا من ديارهم ومدنهم وقراهم، وأنه مسؤول عن معاناة الآباء والأجداد، وعن المجازر التي ارتكبها على مدار العقود الماضية؛ إنه المسؤول عن النكبة والكارثة اللتين يتعرض لهما شعبنا الفلسطيني؛ إنه المحتل الغاصب".

ولد البرغوثي عام 1958 في قرية كوبر قرب مدينة رام الله، وانخرط في حركة فتح في سن الخامسة عشرة، وعند بلوغه الثامنة عشر عام 1976، ألقت قوات الاحتلال الإسرائيلية القبض عليه وألقته في السجن، حيث تعلم اللغة العبرية، محولًا المحنة إلى منحة والألم إلى أمل.

قيادة المظاهرات في الضفة

"بيظل عمر الفتى نذر للحرية"؛ عند إطلاق سراحه، ذهب البرغوثي إلى الضفة الغربية المحتلة حيث ترأس مجلس الطلبة في جامعة بيرزيت والتي تخرج منها بعد دراسة التاريخ والعلوم السياسية، ونال داخل أروقتها شهادة الماجستير في العلاقات الدولية؛ فيما نال درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من معهد البحوث والدراسات التابع لجامعة الدول العربية من داخل زنزانته؛ حيث كتب أطروحته سرًا حتى خرجت إلى العلن.

وفي الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، قاد البرغوثي مظاهرات الفلسطينيين ضد الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، لتلقي السلطات الإسرائيلية القبض عليه مرة أخرى، قبل ترحيله إلى الأردن التي مكث فيها 7 سنوات ثم عاد ثانية إلى الضفة الغربية عام 1994 بموجب اتفاق أوسلو، وفي عام 1996، حصل على مقعد في المجلس التشريعي الفلسطيني؛ تولى منصب أمين سر حركة فتح في الضفة. وخلال تلك الفترة، تعرض البرغوثي إلى أكثر من محاولة اغتيال ونجا منها، وفي إحداها أطلقت عليه وعلى مساعديه صواريخ موجهة، كما أرسلت سيارة ملغومة له خصيصًا.

السجن حتى الموت

"بيظل عمر الفتى نذر للحرية"؛ عند اختطافه قال رئيس وزراء الاحتلال الأسبق السفاح آرئيل شارون: "يؤسفني إلقاء القبض عليه حيًا؛ كنت أفضل أن يكون رمادًا في جره"؛ فيما قال المستشار القانوني الأسبق لحكومة الاحتلال الياكيم روبنشتاين: "إنه من النوع الذي لا يتراجع؛ ولذلك يجب أن يحاكم بلا رحمة وأن يبقى في السجن حتى موته".

يقول رفقاؤه إنه "تعلم داخل زنزانته مواعيد الشمس، وألف السماء الموسومة بالحديد، وصادق القمر"، ودخل في "هدنة عابرة مع كائنات الزنزانة من قوارض وحشرات بدت أقدر على التصالح مع الفلسطيني وفكرته وصون الهدنة معه مقارنة بالكيان المحتل".