هل المصافحة بعد الصلاة بدعة؟ الإفتاء توضح الحكم الشرعي
المصافحة بعد الصلاة: بدعة أم سنة؟ الإفتاء تجيب

تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالاً من أحد المواطنين يستفسر فيه عن حكم المصافحة بعد الصلاة، وهل تُعتبر بدعة كما يدعي البعض؟ وقد جاء الرد واضحاً ومفصلاً، مؤكداً أن المصافحة من الأفعال المسنونة التي حث عليها الشرع الحنيف، وأن القول ببدعيتها هو قول مردود شرعاً.

مشروعية المصافحة وفضلها

أوضحت دار الإفتاء أن المصافحة مشروعة في كل لقاء، وقد وردت في فضلها أحاديث نبوية شريفة كثيرة. فمنها ما رواه البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا» (أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه).

كما استشهدت بما ورد عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا لَقِيَ الْمُؤْمِنَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ بِيَدِهِ فَصَافَحَهُ، تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا كَمَا يَتَنَاثَرُ وَرَقُ الشَّجَرِ» (أخرجه الطبراني وابن شاهين والمنذري).

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وأضافت الإفتاء حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي أخرجه الإمام مالك في الموطأ: «تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا، وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ». وكذلك ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَسَلَّمَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَتَصَافَحَا كَانَ أَحِبَّهُمَا إِلَى اللهِ تَعَالَى أَحْسَنُهُمَا بِشْرًا لِصَاحِبِهِ» (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان).

وقد أجمع جمهور العلماء سلفاً وخلفاً على مشروعية المصافحة، كما نقل الإمام ابن عبد البر في الاستذكار: «على جواز المصافحة جماعة العلماء من السلف والخلف، ما أعلم بينهم في ذلك خلافاً».

مفهوم البدعة والرد على الدعوى

أما دعوى أن المصافحة بعد الصلاة بدعة، فقد أوضحت دار الإفتاء أنها دعوى مردودة، وذلك بناءً على تعريف البدعة في الشرع. فالعلماء مسلكان في تعريف البدعة:

المسلك الأول: بدعة تنقسم إلى أحكام تكليفية

وهو مسلك الإمام العز بن عبد السلام الذي يرى أن البدعة هي فعل ما لم يعهد في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي تنقسم إلى: بدعة واجبة، ومحرمة، ومندوبة، ومكروهة، ومباحة. فالمصافحة بعد الصلاة، حتى لو اعتبرت بدعة، فإنها تدخل في البدعة المندوبة أو المباحة، لأن لها أصلاً في الشرع وهو مشروعية المصافحة عند اللقاء.

ويؤكد الحافظ ابن حجر العسقلاني هذا المعنى في فتح الباري: «وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعةً، لكن منها ما يكون حسنًا، ومنها ما يكون بخلاف ذلك».

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

المسلك الثاني: البدعة هي المذمومة فقط

وهو مسلك جماهير الفقهاء، حيث يقتصر مفهوم البدعة على المذمومة المحرمة التي لا أصل لها في الشريعة. وقد ذهب إلى ذلك الإمام ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم: «المراد بالبدعة ما أُحْدِثَ مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعاً، وإن كان بدعة لغةً».

وبناءً على ذلك، فإن المصافحة بعد الصلاة لها أصل في الشرع، وهو المصافحة عند اللقاء، وبالتالي ليست بدعة مذمومة. وقد نقلت دار الإفتاء عن الإمام الشافعي قوله: «المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه بدعة الضلالة، والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذمومة».

وقال الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين: «ليس كل ما أبدع منهيًّا عنه، بل المنهي عنه بدعة تضاد سنة ثابتة، وترفع أمرًا من الشرع».

الخلاصة

خلصت دار الإفتاء المصرية إلى أن المصافحة بعد الصلاة ليست بدعة مذمومة، بل هي مشروعة ومستحبة، سواء تمت عقب الصلاة أو في أي لقاء آخر. وأن القول ببدعيتها هو اجتهاد غير صحيح، لأنه يغفل الأدلة الشرعية الكثيرة التي تحث على المصافحة، ويفرق بينها وبين البدعة الحقيقية التي لا أصل لها في الدين. لذلك، فإن المسلم مأجور على مصافحة إخوانه بعد الصلاة، ويحصل بذلك على الأجر والثواب الموعود به في الأحاديث النبوية.