أكد فضيلة أ.د. نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن الفهم الصحيح لآيات الصفات في القرآن الكريم يُعد من أهم ركائز حماية العقيدة وصون الوعي من الانحرافات الفكرية. وشدد على أن التعامل مع النصوص الشرعية ينبغي أن يقوم على المنهج العلمي الرصين الذي يجمع بين صحيح النقل وصريح العقل، في إطار عقيدة أهل السنة والجماعة القائمة على التنزيه دون تعطيل أو تمثيل.
محاضرة حول ضوابط فهم آيات الصفات
جاء ذلك خلال المحاضرة التي ألقاها فضيلته بعنوان «ضوابط فهم آيات الصفات وأثرها في مواجهة الانحراف الفكري»، ضمن فعاليات الدورة التدريبية «تفكيك الفكر المتطرف» التي تنظمها أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة بالتعاون مع المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، بمشاركة 19 إمامًا وداعية من جمهورية باكستان.
القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين
وأوضح فضيلة مفتي الجمهورية أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، وأن النصوص الشرعية تتفاوت في دلالاتها؛ فمنها ما يتضح معناه بمجرد السماع، ومنها ما يحتاج إلى تدبر وإعمال نظر وفق القواعد العلمية المعتبرة. وأشار إلى أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يرجعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم في فهم ما أشكل عليهم، ثم ظهرت بعد ذلك خلافات فكرية وعقدية دفعت بعض الاتجاهات إلى توظيف النصوص توظيفًا غير منضبط خدمة لأهوائها.
وأضاف أن قضايا التأويل برزت بقوة في التاريخ الإسلامي مع ظهور عدد من المسائل العقدية والفكرية، مثل قضايا الصفات والذات الإلهية وخلق القرآن وغيرها، مما أدى إلى تعدد الاتجاهات في فهم النصوص وظهور بعض الانحرافات كالتشبيه والتجسيم والتعطيل. وأكد أن العلماء وضعوا ضوابط دقيقة للتأويل حفاظًا على سلامة العقيدة وصونًا لقدسية النص الديني من العبث أو التحريف.
شروط التأويل الصحيح
وأشار مفتي الجمهورية إلى أن التأويل الصحيح يُعد ضرورة لغوية وشرعية متى التزم بضوابطه العلمية، وفي مقدمتها مراعاة قواعد اللغة العربية، وأن يكون اللفظ قابلًا للتأويل، وألا يخالف التأويل ما استقر عليه أئمة التفسير والعلماء المعتبرون، وألا يؤدي إلى هدم أصل من أصول الشريعة، مع ضرورة عدم القطع بأن المعنى المؤوَّل هو المراد قطعًا، وإنما يُنظر إليه باعتباره اجتهادًا ترجيحيًا تدعمه القرائن والأدلة.
وبين الشروط التي وضعها العلماء لصحة التأويل، والتي تتعلق بثلاثة محاور رئيسة: أهلية القائم بالتأويل وتمكنه من علوم الشريعة واللغة، وأن يكون كل من المعنى الظاهر والمعنى المؤوَّل سائغًا في لسان العرب، إلى جانب وجود دليل معتبر يقتضي صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر صحيح.
المنهج الأزهري والتطرف الفكري
وشدد فضيلته على أن المنهج الأزهري عبر تاريخه مثَّل أنموذجًا متوازنًا في فهم النصوص الشرعية، حيث جمع بين احترام النصوص وإعمال العقل المنضبط، بما أسهم في مواجهة الأفكار المتطرفة وتفنيد الشبهات العقدية. ودعا إلى ترسيخ هذا المنهج في إعداد الدعاة وتأهيلهم فكريًا وعلميًا، مؤكدًا أهمية تبسيط القضايا العقدية للجمهور بلغة حكيمة تراعي تفاوت مستويات الفهم، وتبتعد عن إثارة الإشكالات دون حاجة، مع التركيز على ترسيخ معاني التنزيه وتعظيم الله سبحانه وتعالى في نفوس الناس، بما يعزز الأمن الفكري والاستقرار المجتمعي.
واختتم حديثه بأن سلامة العقيدة تمثل الأساس المتين لبناء الإنسان والمجتمع، وأن مواجهة الانحرافات الفكرية والشبهات العقدية لا تتحقق إلا من خلال العلم الرصين والمنهج الوسطي الواعي، القادر على الجمع بين الثبات على الأصول وفهم متغيرات الواقع.
تصريحات رئيس أكاديمية الأزهر
من جانبه، أعرب فضيلة أ.د. حسن صلاح الصغير، رئيس أكاديمية الأزهر العالمية، عن تقديره البالغ لمشاركة فضيلة مفتي الجمهورية بهذه المحاضرة الثرية، مؤكدًا أن هذه المحاضرات المتخصصة تُسهم في تعزيز وعي دعوي راسخ لدى الأئمة والدعاة، وتُنمي مهاراتهم في التعامل مع القضايا العقدية والفكرية المعاصرة بمنهج علمي دقيق، بما يجسد رسالة الأزهر الشريف في نشر قيم الوسطية والاعتدال.



