سر تقبيل الحجر الأسعد: تجديد العهد مع الله في الطواف
عند بدء الطواف بالبيت الحرام، يستلم الحاج الحجر الأسعد، ومن الأسرار التي لا يعلمها إلا العارفون بالله تعالى، سر تقبيل هذا الحجر أو استلامه بالإشارة إليه في حالة الازدحام، أن الحجر مُودَع فيه العهدان اللذان أخذهما الله عز وجل على أرواح بني آدم في عالم الذر.
العهد الأول: عهد الربوبية
العهد الأول هو العهد العام الذي أخذه الله على أرواح كل البشر، كما أشار إليه سبحانه في قوله: "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا". وقصة هذا العهد أن الله تعالى بعد أن خلق سيدنا آدم عليه السلام، مسح بيد القدرة على ظهره، فأخرج جميع أرواح ذريته، وكانت عبارة عن لطائف نورانية خالية من الأنفس الظلمانية، مؤهلة لإدراك شهود تجليات الله بأنوار أسمائه الحسنى وصفاته العليا. ثم تجلى الله بأنوار حضرة ربوبيته، فشاهدت الأرواح أنوارها، ثم جاء الخطاب: "أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا"، ولم يقولوا "بلى اعتقدنا"، مما يدل على أن الأصل في الإيمان بالله هو إيمان الشهود لا إيمان الاعتقاد.
العهد الثاني: عهد الأنبياء بالإيمان برسول الله
أما العهد الثاني فهو العهد الخاص الذي أخذه الله على أرواح الأنبياء بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته. وقصته أن الله انتقى بعلمه مائة وأربعة وعشرين ألفًا من أرواح البشر، وهي أرواح الأنبياء عليهم السلام، وأخذ عليهم العهد والميثاق بالإيمان برسول الله ونصرته. وقد أشار الله إلى ذلك بقوله: "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ".
كتابة العهدين في الحجر الأسعد
وقد كتب الله هذين الإقرارين بيد القدرة بقلم النور في صحيفة نورانية، وألقمهما الحجر. وعند تقبيل الحاج للحجر أو استلامه، فإنه يجدد العهد مع الله بالإقرار بربوبيته والإيمان برسول الله والإقرار بإمامته للرسل والأنبياء. وفي هذا العهد إشارة إلى عظم قدر رسول الله، حيث قال الله لأرواح الأنبياء: "قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ"، وهو فضل عظيم خص به سيدنا رسول الله، إذ جعل الله ذاته العليا شاهدة مع الأنبياء لرسوله بإمامته لهم وقيادته لركبهم الكريم.
خاتمة
هذا عن سر عدد أشواط الطواف السبعة وبدء الطواف من الجانب الأيسر، وسيتم الحديث عنه في مقال تالٍ بمشيئة الله تعالى.



