إعادة رسم خرائط المخاطر الإقليمية وفض الاشتباك بين المبادئ والمصالح
إعادة رسم خرائط المخاطر الإقليمية وفض الاشتباك بين المبادئ والمصالح

تحت عنوان: «فضّ الاشتباك بين المبادئ والمصالح.. إعادة رسم خرائط المخاطر الإقليمية»، نظّمت جريدة «الوطن» بالتعاون مع المنتدى الاستراتيجي للفكر والحوار «الندوة الاستراتيجية الثامنة» بمشاركة نخبة من السياسيين والخبراء والباحثين المتخصصين، حيث ناقشت الندوة التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط في أعقاب الحرب الأمريكية الإيرانية، وتأثيراتها على موازين القوى الإقليمية، فضلاً عن حالة إعادة تعريف المخاطر والتهديدات التي تواجه المنطقة العربية، في ظل تصاعد الصراعات المركبة سياسياً وأمنياً وفكرياً وإعلامياً.

وشارك في الندوة كل من الوزير الفلسطيني الأسبق حسن عصفور، والباحث اليمني الدكتور أبوبكر باذيب المدير التنفيذي للمركز الأوروبي لقياس الرأي في هولندا، والمهندس باسم كامل عضو مجلس الشيوخ المصري، والدكتور هاني سليمان الباحث المتخصص في الشأن الإيراني، وقد أدار الندوة الكاتب الصحفي محمد مصطفى أبوشامة. كما شارك في الندوة من خبراء المنتدى الاستراتيجي، كل من محمد صلاح الزهار، الدكتور هالة عمر، إيهاب نافع، عمرو أحمد، إيهاب عمر، كما شارك من جريدة «الوطن» كل من صلاح البلك وأحمد عاطف.

تحولات إقليمية

في بداية الندوة رحّب الكاتب الصحفي محمد مصطفى أبوشامة بالحضور، وقال إن الندوة الاستراتيجية الثامنة تأتي في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب وتشهد فيها المنطقة تحولات متسارعة، وبدورنا نحاول إعادة طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالأمن القومي العربي وطبيعة التهديدات التي تواجه الدول الوطنية وحدود العلاقة بين المبادئ السياسية والمصالح الاستراتيجية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وأضاف مدير المنتدى الاستراتيجي أنه خلال السنوات الأخيرة لم تعد خرائط الصراع في الشرق الأوسط ثابتة أو واضحة كما كانت، بل باتت المنطقة أمام مشهد شديد التعقيد تتداخل فيه الحروب العسكرية مع حروب الوعي والصراعات الجيوسياسية مع الاختراقات الفكرية والإعلامية، فيما تتغير التحالفات بصورة متسارعة تحت ضغط المصالح وتوازنات القوى، كما فرضت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وما سبقها وتلاها من أزمات ممتدة في فلسطين وسوريا واليمن ولبنان نقاشاً واسعاً حول إعادة تعريف مفهوم «العدو» وحدود التهديد الحقيقي الذي يواجه العالم العربي سواء كان تهديداً عسكرياً مباشراً أو مشروعاً إقليمياً توسعياً أو اختراقاً فكرياً وتنظيمياً يستهدف الدولة الوطنية من الداخل.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وتابع «أبوشامة» قائلاً: «لا تسعى هذه الندوة إلى تقديم إجابات نهائية بقدر ما تحاول فتح مساحة للحوار الجاد والعقلاني بين نخبة من السياسيين والخبراء والباحثين بهدف قراءة التحولات الإقليمية بصورة أكثر عمقاً وهدوءاً بعيداً عن الانفعال والاستقطاب، ونأمل أن تخرج هذه المناقشات برؤية تساعد على فهم المشهد الإقليمي المتغير وتعيد طرح الأسئلة الصحيحة حول مستقبل الأمن العربي في محالة تبدو فيها المنطقة وكأنها تعيد رسم قراءتها السياسية والاستراتيجية».

وأوضح «أبوشامة» أننا بحاجة إلى إعادة تعريف العدو في العقل الاستراتيجي العربي، والخروج إلى دائرة التوصيف العام بعيداً عن تسمية أعداء بعينهم، لأن في كل دولة عربية للعدو معنى وتعريفاً مختلفاً. وسنسعى في الندوة إلى بحث تحولات الأمن القومي العربي في عصر التهديدات المركبة وحروب الوعي والاختراق الفكري والإعلامي، ومستقبل الدولة الوطنية العربية وسط التحولات الإقليمية. وأخيراً يجب أن نتساءل: هل يملك العرب مشروعاً استراتيجياً لاستعادة التوازن الإقليمي؟! هذه هي محاورنا للنقاش.

اختراق استراتيجي

قال الوزير الأسبق حسن عصفور: إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن بوضوح، بعد 48 ساعة فقط من أحداث 7 أكتوبر 2023، أن «الشرق الأوسط بدأ يتغير»، معتبراً أن هذا التصريح لم يحظَ بالانتباه الكافي عربياً، رغم أنه مثّل إعلاناً مباشراً عن بدء مرحلة جديدة في المشروع الإسرائيلي. مضيفاً أن ما جرى بعد 7 أكتوبر لم يكن يستهدف غزة وحدها، بقدر ما كان يمثل بداية تنفيذ مشروع أوسع لإعادة تشكيل الإقليم وفق رؤية إسرائيلية، تقوم على ما وصفه بـ«أسرلة المنطقة» أو مشروع «إسرائيل الكبرى»، مشيراً إلى أن هذا التصور كان مطروحاً داخل إسرائيل منذ سنوات، لكن جرى تأجيل تنفيذه حتى تهيأت الظروف السياسية والأمنية المناسبة.

وأوضح «عصفور» أن مفهوم «إسرائيل الكبرى» لم يعد يرتبط بالاحتلال التقليدي أو التوسع الجغرافي المباشر، وإنما بالسيطرة السياسية والأمنية والتكنولوجية على المجال الممتد «من النيل إلى الفرات»، بما يسمح لإسرائيل بإعادة هندسة النفوذ الإقليمي وفرض معادلات جديدة للأمن والتحالفات. وأشار إلى تصريح سابق لـ«نتنياهو» عقب زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى تل أبيب، تحدث فيه عن «محور الهند - كوش»، موضحاً أن المقصود بـ«كوش» هو المجال الممتد نحو السودان والقرن الأفريقي، وهو ما يعكس بحسب تعبيره تصوراً إسرائيلياً لبناء إقليم نفوذ جديد قائم على المصالح والتحالفات الأمنية، وليس فقط على الاحتلال العسكري المباشر.

وأضاف أن إسرائيل نجحت بالفعل في تحقيق اختراقات استراتيجية داخل بعض مناطق القرن الأفريقي، لافتاً إلى وجود قاعدة إسرائيلية في «أرض الصومال»، اعتبرها أول قاعدة إسرائيلية معلنة داخل نطاق عربي، مشيراً إلى أن الأخطر هو وجود تداخل أمني عربي إسرائيلي داخل بعض هذه المناطق، بما يعكس تحولات غير مسبوقة في طبيعة العلاقات والتحالفات الإقليمية.

وقال «عصفور» إن الحرب مع إيران دفعت إسرائيل إلى إعادة صياغة طبيعة الصراع في المنطقة، بحيث لم تعد القضية الفلسطينية تُقدَّم باعتبارها مركز الصراع الأساسي، بل جرى استبدالها تدريجياً بخطاب جديد يقوم على أولوية مواجهة إيران، وهو ما فتح الباب أمام دعوات عربية للتحالف العلني مع إسرائيل تحت مبررات أمنية واستراتيجية. مؤكداً أن الترتيبات الإقليمية التي تحدث عنها نتنياهو منذ عام 2023 بدأت تتحول تدريجياً إلى واقع سياسي وأمني، في ظل تصاعد النفوذ الإسرائيلي داخل بعض الدول، سواء عبر الحضور الأمني أو التكنولوجي أو التحالفات السياسية.

وأضاف أن الولايات المتحدة تدفع، بصورة غير مباشرة، بعض دول الخليج نحو بناء شراكات أمنية أوسع مع إسرائيل، بما يؤدي إلى إعادة تعريف أولويات الأمن القومي في المنطقة، والانتقال من مفهوم «الأمن العربي المشترك» إلى ترتيبات جديدة تصبح فيها إسرائيل جزءاً من معادلة الحماية والأمن. وشدد «عصفور» على أن مفهوم الأمن القومي العربي بات يواجه أزمة حقيقية، في ظل تضارب المصالح العربية، وتعدد التحالفات، وتراجع التصورات المشتركة حول مصادر التهديد والخطر، متسائلاً: «إذا كانت إسرائيل أصبحت جزءاً من بعض التحالفات الإقليمية، فكيف يمكن إعادة تعريف الأمن القومي العربي؟ وضد من سيتشكل هذا الأمن؟ وهل نحن بصدد اختراع عدو جديد يختلف عن العدو التقليدي الذي عرفته المنطقة لعقود؟».

سيولة التحالفات

وأوضح المهندس باسم كامل، عضو مجلس الشيوخ وأمين عام الحزب المصري الديمقراطي، أنه يفضّل الانطلاق أولاً من عنوان الندوة ذاته، خاصة ما يتعلق بسؤال «العدو»، موضحاً أن خريطة العداوات في المنطقة لم تعد ثابتة أو مستقرة، بل أصبحت أقرب إلى «شاشة رادار متحركة»، يظهر فيها خصوم جدد ويختفي آخرون وفقاً للتحولات السياسية وتغير موازين القوى الإقليمية والدولية.

وأضاف أن طبيعة العلاقات في الشرق الأوسط باتت شديدة التعقيد، ولم تعد تقوم على ثنائية الصداقة أو العداء التقليدية، بل أصبحت هناك مناطق رمادية واسعة، قد تتفق فيها الدول في بعض الملفات وتتصارع في ملفات أخرى، وفقاً لحسابات المصالح والتوازنات. وأشار إلى أن بعض الدول العربية قد تدعم مصر اقتصادياً باعتبارها دولة شقيقة، بينما تتبنى في الوقت ذاته سياسات أو تحركات إقليمية تؤثر بصورة سلبية على المصالح المصرية، معتبراً أن ذلك يعكس حالة «السيولة السياسية» التي باتت تحكم مفهوم العداء والتحالف في المنطقة.

وأوضح أن العلاقات الدولية لم تعد تُدار بمنطق الثبات، مستشهداً بتجربة إيران قبل الثورة الخمينية، حين كانت أحد أبرز حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، إلى جانب السعودية، وكانت تربطها علاقات وثيقة بمصر، قبل أن تؤدي التحولات السياسية داخل إيران إلى إعادة تشكيل موقعها الإقليمي وطبيعة النظرة العربية إليها. مؤكداً أن هذه التحولات تكرّس قاعدة أساسية في السياسة الدولية مفادها أنه «لا توجد صداقات دائمة أو عداوات دائمة، بل مصالح دائمة»، مشيراً إلى أن تغير السياسات والمصالح يعيد باستمرار تشكيل خرائط التحالفات والخصومات في المنطقة.

وفي سياق آخر، حذّر باسم كامل من خطورة ما وصفه بـ«العدو الداخلي»، معتبراً أنه في بعض الأحيان قد يفوق في خطورته التهديدات الخارجية، موضحاً أن أزمة الاستبداد وغياب المشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الدول العربية. مشيراً إلى أن غياب الشراكة الحقيقية للمواطن العربي في السلطة والثروة وصنع القرار يخلق هشاشة داخلية عميقة، تجعل المجتمعات أكثر عُرضة للاهتزاز والتأثر بالصراعات الإقليمية والتدخلات الخارجية. وأضاف أن الفارق الجوهري بين كثير من الدول العربية والدول الديمقراطية المستقرة يتمثل في أن الأخيرة تمتلك مؤسسات راسخة وقواعد مشاركة سياسية تسمح باستقرار توجهاتها الاستراتيجية، حتى مع تغير الحكومات، لأن القرار فيها لا يرتبط بفرد أو سلطة ضيقة، بل بمنظومة مجتمعية واسعة تشارك في صياغة السياسات العامة.

مثلث العداء

وأكد الباحث اليمني المقيم في هولندا الدكتور أبوبكر باذيب أن إسرائيل تبقى عدواً تاريخياً في الوعي العربي منذ عام 1948، ومن الصعب تجاوز هذه الحقيقة داخل العقل الجمعي العربي، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن تعاطف بعض الشعوب العربية مع إيران خلال مواجهتها مع إسرائيل لا ينفي -بحسب تعبيره- أن إيران تمثل بدورها مشروعاً إقليمياً يتقاطع أحياناً مع المصالح الإسرائيلية، بل ويتجاوزها في بعض ممارساته تجاه المنطقة.

وأوضح «باذيب» أنه شارك مؤخراً، بصفته مديراً لـ«المركز الأوروبي لقياس الرأي» في هولندا، في ندوة عُقدت بألمانيا حول إعادة ترتيب المخاطر والتهديدات داخل دوائر صناعة القرار الأوروبية، مشيراً إلى أن أحد الأكاديميين العسكريين الفرنسيين المشاركين تحدث بصراحة عن القلق الفرنسي من التحولات الجارية في العقيدة العسكرية الألمانية، بما في ذلك تعديل الدستور وزيادة الإنفاق العسكري. وقال إن اللافت في هذا النقاش أن المخاوف التاريخية لا تزال حاضرة حتى بين الحلفاء الأوروبيين، رغم عقود من الشراكة السياسية والاستراتيجية، معتبراً أن ذلك يعكس كيف تبقى حسابات القوة والعداء حاضرة حتى داخل أكثر التحالفات استقراراً، فما بالنا بمنطقة الشرق الأوسط التي تعيش تشابكات وصراعات أكثر تعقيداً وحدّة.

وأضاف أن ترتيب أولويات التهديد في المنطقة أصبح مرتبطاً بصورة متزايدة بما يسمى «البراجماتية السياسية»، لافتاً إلى أن بعض الدول العربية باتت ترى في التحالف مع إسرائيل ضرورة مرتبطة بأمنها الاستراتيجي ومواجهة التهديد الإيراني، حتى وإن كان هذا التحالف يثير جدلاً واسعاً داخل الشارع العربي. وأشار إلى أن إيران نفسها كانت، في مراحل سابقة، تقيم علاقات وتقاطعات مع إسرائيل بصورة غير مباشرة، مستشهداً بتصريحات الرئيس المصري الراحل أنور السادات حول حصول إيران (بعد ثورة الخميني) على السلاح والغذاء عبر إسرائيل، معتبراً أن ما كان يُنظر إليه في طهران باعتباره «مباحاً» في مرحلة معينة، يجرى تقديمه اليوم باعتباره «محرماً» على الآخرين.

ورأى «باذيب» أن بعض الدول العربية قد تلجأ مرحلياً إلى تخفيف حدة التناقض مع إسرائيل أو إعادة ترتيب أولويات العداء، بهدف مواجهة خطر تعتبره أكثر إلحاحاً، على أمل إعادة ضبط هذه التوازنات لاحقاً، مؤكداً أن هذا النمط من التفكير يعكس طبيعة اللحظة الإقليمية القائمة على الحسابات البراجماتية لا الثوابت التقليدية.

وفي حديثه عن اليمن، قال إن البلاد تحوّلت إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، معتبراً أن مختلف الأطراف الإقليمية والدولية «عبثت باليمن» بصورة تهدد وحدته الجغرافية وأمنه الداخلي، بل وتستوجب بحسب وصفه مساءلات قانونية دولية. مضيفاً أن بعض الأطراف دخلت اليمن تحت عناوين مواجهة جماعات بعينها، لكنها تجاوزت لاحقاً حدود حماية الأمن القومي إلى التأثير المباشر على الجغرافيا اليمنية وتركيبة الدولة، بما انعكس سلباً على أمن المنطقة بأكملها.

وأكد «باذيب» أن مصر كانت دائماً حاضرة في المشهد اليمني انطلاقاً من إدراكها لأهمية اليمن في معادلة الأمن القومي العربي، مشيراً إلى وجود اتصالات وزيارات مصرية رفيعة المستوى خلال مراحل سابقة لتحذير القيادة اليمنية من مخاطر العبث بالأمن القومي اليمني وتأثيراته على أمن الجوار العربي. وشدد على أن ما يجرى في ليبيا والسودان واليمن يمثل امتداداً مباشراً للأمن القومي المصري، معتبراً أن أي محاولة لإعادة ترتيب العدو بصورة ضبابية بين إسرائيل وإيران وأذرعهما المختلفة في المنطقة «لا تعدو كونها ذراً للرماد في العيون»، لأن الطرفين بحسب تعبيره ينظران إلى المنطقة العربية باعتبارها ساحة نفوذ ومجالاً لتحقيق مصالحهما الاستراتيجية.

الأسئلة المعقدة

فيما أشار الدكتور هاني سليمان المتخصص في الشؤون الإيرانية إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران فتحت الباب أمام مجموعة واسعة من الأسئلة المعقدة، التي يصعب الإحاطة بها في ندوة واحدة، معتبراً أن ما جرى يمثل حدثاً مفصلياً لا يقل أهمية عن التحولات الكبرى التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، سواء على مستوى العلاقات الدولية أو البنية الأمنية أو طبيعة إنتاج المعرفة والتحليل السياسي في المنطقة. موضحاً أن دول الخليج لن تتعامل مع تداعيات الحرب باعتبارها «كتلة واحدة»، رغم وحدة التهديد، مشيراً إلى أن استجابة كل دولة ترتبط بطبيعة علاقتها مع إيران، وبالطريقة التي تدير بها تهديداتها ومصالحها الاستراتيجية.

وأضاف أن دولة الإمارات بدأت مبكراً مراجعة بعض سياساتها تجاه إيران، بينما تتحرك المملكة العربية السعودية وفق محددات مختلفة تماماً، انطلاقاً من حسابات أكثر تعقيداً تتعلق بالأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي والسياسي. مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة، سواء استمر التصعيد أو توقفت الحرب، ستشهد تحولات كبيرة في بنية العلاقات الخليجية والعربية، موضحاً أن كل دولة ستعيد صياغة أولوياتها وفقاً لمصالحها الخاصة، سواء في إطار الأمن الفردي أو الثنائي أو الجماعي، وكذلك في علاقتها بالقوى الدولية الكبرى.

وأشار «سليمان» إلى أن مفهوم «البراجماتية السياسية» أصبح أحد المفاتيح الأساسية لفهم سلوك القوى الإقليمية، موضحاً أن إيران نفسها، رغم خطابها التصعيدي، اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى فتح قنوات تفاهم مع دول الخليج عندما شعرت بوجود تهديدات مباشرة لمصالحها، في محاولة لإعادة بناء التوازنات الإقليمية بصورة أكثر مرونة. وأضاف أن دول الخليج بدورها تتحرك وفق حسابات براجماتية مشابهة، إذ تبحث عن تحقيق مصالحها الأمنية والاستراتيجية بأشكال مختلفة، ولن تتبنى جميعها نمطاً موحداً في إدارة العلاقة مع إيران أو حتى مع إسرائيل والولايات المتحدة.

وضرب مثالاً بموقف كل من المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، موضحاً أنه رغم تعرضهما لبعض التهديدات والاعتداءات، فإنهما ما زالتا تعتبران أن جزءاً من مصالحهما يكمن في الإبقاء على خطوط اتصال مفتوحة مع إيران، سواء عبر المسارات الدبلوماسية أو التنسيق السياسي في بعض الملفات. وأكد «سليمان» أن خريطة المخاطر الإقليمية ليست ثابتة، بل تتغير باستمرار وفقاً لطبيعة التهديدات والتحولات السياسية، موضحاً أن ترتيب مصادر الخطر داخل العالم العربي مرّ بتحولات متعاقبة؛ فبينما اعتبرت بعض الدول الإرهاب أولوية قصوى في مرحلة معينة، جاءت لاحقاً تهديدات أخرى مثل جماعة الإخوان أو إيران أو إسرائيل، وفقاً لاختلاف السياقات والمصالح الوطنية.

وأضاف أن إعادة تعريف العدو ستدفع بعض الدول إلى تبني مستويات عالية من البراجماتية السياسية، وربما البحث عن مبررات لإقامة علاقات مستقرة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، بينما قد تختار دول أخرى مسارات مغايرة وفقاً لأولوياتها الخاصة. موضحاً أن الشرق الأوسط يتجه نحو مرحلة جديدة تقوم بدرجة أكبر على مفاهيم «الأمن الفردي» و«الأمن الثنائي»، على حساب مفاهيم الأمن الجماعي العربي، مع تنامي توجهات لعقد شراكات وتحالفات مرنة مع قوى إقليمية ودولية فاعلة.

وأشار إلى أن دول الخليج باتت تدرك صعوبة فك الارتباط الكامل مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى بناء علاقات أكثر توازناً مع قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا، في إطار سياسة تنويع الشراكات وتقليل الاعتماد على طرف دولي واحد. وفيما يتعلق بالعلاقات الخليجية الإيرانية، رأى «سليمان» أن آثار الحرب الأخيرة لن يكون من السهل تجاوزها سريعاً، موضحاً أن المنطقة ستدخل مرحلة انتقالية طويلة نسبياً، سيظل خلالها البحث عن صيغ للاستقرار والأمن الإقليمي قائماً، لكن دون توقع عودة سريعة للعلاقات إلى طبيعتها السابقة.

كما حذر من دخول المنطقة في سباق تسلح واسع، خاصة على مستوى بناء القدرات الدفاعية ومنظومات الردع، مؤكداً أن إيران ستواصل تطوير قدراتها العسكرية، بغض النظر عن فرص التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، استعداداً لجولات جديدة من الصراع مع إسرائيل. وأضاف أن الصراع المقبل لن يقتصر على التوازنات العسكرية فقط، بل سيمتد أيضاً إلى ملفات الأمن البحري والطاقة والممرات الاستراتيجية، خاصة في ظل محاولات البحث عن بدائل لمضيق هرمز وتقليص النفوذ الإيراني في بعض المسارات البحرية الحيوية.