ربما يكون هذا السؤال الحضاري أمضى الأدلة على أن التخلف ليس قدرًا دينيًا إسلاميًا كما يزعم الغربيون، والمفتونون بهم من الجالسين عند أقدام الغرب والمتطفلين على فضلات فلسفته وقيمه ومناهجه. فالعرب المسلمون حملوا شعلة الحضارة والعلم وأضاءوا بها ظلمات العالم قرونًا عدة سادوا بها ثقافة ورقيًا وعمرانًا.
وعندما تراجعت ممالكهم ودولهم بسبب عوامل الاختلاف والصراع والضعف التي تنتاب الأمم كما بينها ابن خلدون مؤسس علم العمران وفلسفة التاريخ، قام المسلمون من غير العرب باستعادة زمام النهضة مجددًا محققين قفزات علمية وحضارية وضعتهم في مصاف العالم الأول، بل إن ماليزيا وإندونيسيا في المقدمة مع العشرين الأقوى تأثيرًا اقتصاديًا وعلميًا في العالم.
لكن تبقى إشكالية التخلف العربي المعاصر عن إدراك سبيل النهضة والتقدم كما أدركها الماليزيون والإندونيسيون والأتراك، رغم أن سؤال النهضة والتقدم قد طرح مبكرًا أولاً على الأرض العربية من خلال جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده.
عوامل إشكالية التخلف العربي
أولاً: فلسفة النهضة والتقدم
بينما كان الدين هو أساس المشروع الحضاري للنهضة الإسلامية الزاهرة التي ساد بها المسلمون العالم في قرون الإسلام الأولى، فإن الإسلام قد تحول في مشروع النهضة المعاصر بالعالم العربي إلى أداة صراع وتصادم وخلاف وجدليات عقيمة بين دعاة النهوض العاثر وأطرافه المتنازعة.
فالفريق الساعي إلى النهضة انطلاقًا من الهوية الإسلامية ومن تجربة الإسلام الحضارية التي أثبتت نجاحًا منقطع النظير في تاريخ الأمم والحضارات والأديان، والتي لم يحتج الإسلام معها لأكثر من قرن ونصف من الزمان حتى بسط أجنحته الحضارية والعلمية والأخلاقية ليطير بها العالم نحو مدنية زاهرة وعمران باهر ورقي سامٍ في ظلال تعايش وتسامح أذاب كل عنصرية عرقية أو دينية وخمد كل تمييز وفتح الأبواب.
ليبدع الجميع من عرب وعجم مسلمين وغير مسلمين على نحو دفع الألماني آدم ميتز في كتابه "الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري" إلى العجب من كثرة المتصرفين غير المسلمين في شؤون الدولة. وكذلك أثبت المؤرخون المسلمون أن غالبية العلماء النابغين هم من أصول غير عربية سواء في علوم العربية نفسها مثل سيبويه أو علوم الإسلام الدينية والفلسفية مثل: البخاري ومسلم والطبري والرازي والخوارزمي والخيام وابن سينا والفارابي والغزالي.
بل إن القديس يوحنا الدمشقي واضع أساس التصور اللاهوتي لموقف المسيحية من الإسلام بأن الإسلام عبارة عن هرطقة مسيحية، كان يعمل في بلاط الخليفة الأموي بإدارة الخزانة والشؤون المالية. وكذلك اليهودية لم تنجب فيلسوفًا ورابيًا وطبيبًا مثل موسى بن ميمون طبيب صلاح الدين الأيوبي الخاص، والذي استطاع في رحاب التسامح الإسلامي أن يضع لأول مرة الأصول الثلاثة عشر للديانة اليهودية لأول مرة في تاريخها.
أما الفريق المقابل من دعاة النهوض العاثر فهو من أدعياء التنوير الزائف وتجار الحداثة أصحاب الفصام النكد مع الهوية الدينية أيديولوجيًا وقيميًا، فهم ينطلقون من أبجديات تجربة الغرب النهضوية بحيثياتها التاريخية في صراعها مع الكنيسة، ويقفون عندها لا يتزحزحون عنها قيد أنملة، فيروجون لنهضة مستغرِبة مضمونًا ومنهجًا وظرفًا تاريخيًا، تلك المنطلقات التي أثبتت فشلها المستطير، فيما أفاض في بيانه من أسميهم حراس الهوية مثل الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن.
ثانيًا: وسائل النهوض وأدوات الإصلاح
بينما انخرط العالم العربي في صراعات الهوية والطائفية والجدليات السفسطائية التغريبية، التي فرضتها عليهم أجندة التخطيط والتنفيذ الاستعمارية بأدوات الطابور الخامس من أدعياء التنوير وتجار الحداثة، بفعل التطرف اللاديني القاسم المشترك لتلك المخططات وتنفيذاتها ومنفذيها.
ذلك التطرف الذي أثمر تطرفًا دينيًا مضادًا له متمثلاً في جماعات عنف وإرهاب سياسي وعسكري وتكفيري، فإن المسلمين غير العرب قد استمسكوا بالهوية الدينية محركًا للعقل وموقظًا للضمير ودافعًا للعمل، وباعثًا على إطلاق طاقات الإبداع والتقدم والازدهار انطلاقًا من المنهاج القرآني الملزم برسالة التأسيس العقلي والعلمي لأمة: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)، ولأمة العلم: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) الذين دلل بهم الله سبحانه على وحدانيته: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
وبالتالي نشطت دول مثل إندونيسيا وماليزيا في طريق البناء العلمي والتعليمي البناء الجامع بين الهوية الحضارية دينيًا وعقليًا، وبين توطين العلوم والتكنولوجيا والصناعات المتطورة ومناهج البحث العلمي ومقرراته الحديثة، مدعومة بنظم إدارية صارمة وانضباط مجتمعي يربط بين النجاح وبين العمل والإنتاج واحترام الوقت والنظام والمؤسساتية. في الوقت الذي بقي العالم العربي أسير نظام تعليمي تلقيني يستمد ريادته ونماذجه من تاريخ علوم ومناهج تغريبية أفقدته تماسك الأصالة الحضارية وخصوصية الهوية، ونأت به بعيدًا عن مدارات الإبداع والابتكار.
ثالثًا: معوقات النهوض
لا يكاد يخفى على باحث متأمل في حركة (النهوض العاثر) كما أطلق عليها الدكتور محمد حلمي عبد الوهاب أن سلاسل الشبهات والمزاعم والافتراءات المثارة حول الإسلام التي روجتها دوائر الاستشراق الغربية، ودوائر الاستغراب من أدعياء التنوير وتجار الحداثة، والتي تشكك في قدرة الإسلام الذاتية على تحقيق النهضة والتقدم والازدهار لشعوبه ودوله انسياقًا لما يسميه مالك بن نبي (القابلية للاستعمار).
لا يخفى أن تلك المزاعم قد خلفت حالة من الانشقاق المجتمعي من جانب الغيورين على الهوية الحضارية لأمتهم التاريخية تجاه تلك الفئات، وكذلك خلفت هذه المزاعم حالة مستهدفة من الإحباط وتثبيط الهمم واليأس الشعوري بعدم الإمكان من عودة قريبة إلى المكان اللائق تحت شمس الحضارة.
فقد تسبب هذا العائق في ما يشبه حالة من الانسداد اللاواعي المؤدية لطريق النهوض العاثر من خلال آليات أربعة يسميها الدكتور حسن علي عميد الإعلام في تحليله النقدي لتلك الظاهرة بـ(وَهْم الفَهْم)، وهي:
- (أ) وقوعهم في فخ الاستلاب المعرفي وعقدة النموذج المكتمل: بمعنى أنه حين يدرس المثقف العربي في الغرب، فإنه لا يتعلم مجرد أدوات محايدة، بل يتشرب النظريات داخل حاضنتها الثقافية والتاريخية. فيعود هذا المثقف مبهورًا بالنتائج المذهلة التي حققتها هذه المناهج في الغرب (من حداثة وحرية ورفاهية علمية). هنا يقع هؤلاء في وهم الفهم.. يعتقدون أن هذه النتائج هي قوانين فيزيائية حتمية وكونية صالحة للتطبيق الفوري على أي مجتمع بشرط النقل الحرفي، وهنا بذرة الفشل تكون جاهزة. كيف نسي هؤلاء أن هذه المناهج هي ابنة المخاض التاريخي الأوروبي (صراع القرون الوسطى، الإصلاح الديني، الثورة الصناعية)؟ هذا الانبهار بالنموذج المكتمل يجعلهم يغفلون الفروق البنيوية بين البيئة التي تعلم فيها والبيئة التي يريد الإصلاح فيها.
- (ب) العزلة النفسية وربما العقلية بين المفكر ومجتمعه: التعليم الغربي الجيد يستغرق سنوات طويلة من عمر الباحث، يغرق خلالها في المراجع الغربية والمصطلحات الأجنبية وميكانيكيات التفكير الحداثي، فتحدث قطيعة وعزلة معرفية بين المثقف وبين وجدان وثقافة ولغة شعبه. وحين يعود، ينظر إلى مجتمعه من النافذة الغربية، فيرى المظاهر والطقوس والتدين الشعبي ككتل من الجهل والتخلف التي يجب استئصالها، بدلاً من فهمها كآليات دفاعية وهوية اجتماعية. هذا يوقعه في سوء فهم بنيوي مع الجماهير، وهو أشد إيلامًا من وهم الفهم. فالتيار التنويري المستغرَب يتحدث مع مواطنيه بلغة المصطلحات المترجمة والجافة (مثل التاريخانية، البنيوية، التفكيكية)، وهي مصطلحات لا تلامس قضايا الناس الحقيقية (الفقر، الجهل، المرض)، فيبدو التنويري في عيون مجتمعه كمغترب متعال، مما يحول دون حدوث تأثير يحقق هدفه في نهضة مأمولة.
- (ج) فساد الفهم السياسي: هذا هو الخلل المنهجي والأخلاقي الأكبر (العطب في أداة القياس والمنطق)، الذي وقع فيه دعاة التنوير القدامى والجدد على السواء رغم تعليمهم الغربي الليبرالي. فقد تعلم هؤلاء في الغرب أن الديمقراطية وحرية الصندوق هي ذروة التطور السياسي. لكن عندما نادوا بالديمقراطية في العالم العربي، اكتشفوا أن الشعوب -بسبب تدينها وبساطتها- تصوت للتيار الإسلامي المحافظ (خصم التنوير اللدود). هنا انحرف منطقهم وأصابه فساد الفهم؛ فبدلاً من أن يراجعوا خطابهم ليفهموا لماذا ترفضهم الجماهير، انقلبوا على مبدأ الديمقراطية الغربية نفسه، وطالبوا بالديكتاتورية المستنيرة، وبرروا قمع خصومهم بأنه دفاع عن الحريات العامة نكاية في خصومهم الأيديولوجيين. لقد تحولت أداة التحرر (التي تعلموها في الغرب) إلى أداة تبرير لإلغاء الصوت المعارض لهم، وهو قمة الاختلال المنهجي الذي تابعوا فيه أسلافهم من المعتزلة، الذين ادعوا أنهم أرباب العقول والحرية لكنهم مارسوا أشد أنواع القمع لخصومهم الذين رفضوا فكرة خلق القرآن.
- (د) إغفال شروط النهضة: حيث تعلم التنويري العربي نهايات الحداثة الغربية (التفكيك، نقد النص، ما بعد البنيوية، ما بعد الحداثة) قبل أن يمر مجتمعه ببداياتها مثل: (تأسيس المنهج العلمي، الثورة الصناعية، دولة المؤسسات). فأدعياء التنوير وتجار الحداثة يريدون تطبيق مناهج ما بعد الحداثة في مجتمع يعاني من الأمية الأبجدية، ولم يدخل عصر الحداثة أصلًا، كمن يحاول تركيب سقف ذكي ومتطور لقصر لم تُبنَ جدرانه أو أساساته بعد. هذا الخلل في ترتيب الأولويات هو وهم فهم لآليات حركة التاريخ وسنن النهوض الحضاري.



