في الساعات الأولى من الصباح، وقبل أن يفتح منفذ «كارى أون» أبوابه، كانت الحركة داخله هادئة ومنتظمة، حيث تفرغ شاحنات النقل حمولتها من السلع والخضراوات والفواكه الطازجة، وسط همسات العمال وهم يوزعون المهام. ومع دقات الساعة العاشرة، وصلت «الوطن» إلى فرع كلية البنات في مصر الجديدة، لتتجول بين ممراته التي تشبه فناً تشكيلياً، حيث رُتبت السلع بشكل هندسي يريح العين، مع اصطفاف العمال في طابور منتظم، لكل منهم مسؤولية عن رف معين.
لافتات بيضاء على السلع تحمل بيانات الوزن والسعر، تتناغم بصرياً مع أهرامات البرتقال والليمون والتفاح والطماطم، والخضراوات الورقية الطازجة التي تبدو كأنها قطفت للتو. ثم ممرات السلع الجافة المليئة بالألوان، وقسم البروتين الذي يضم اللحوم والبيض والأجبان، حيث يرتدي العمال ملابس بيضاء ناصعة، ويجهزون اللحم المفروم أمام الزبائن مباشرة مع عبارة «اتفضل الفرم علينا ومجاناً».
بين الممرات، لم نسمع أحاديث عن الأسعار، بل تحولت الهمسات إلى شنط بلاستيكية تحمل احتياجات كل مواطن. وفي قلب المنفذ، تتلألأ أرفف الزيت والسكر والأرز، كشريان الحياة لهذا المكان، حيث تتجه خطوات الزبائن تلقائياً، فتوفير هذه السلع الاستراتيجية يخلق طمأنينة حول المخزون والأمن الغذائي. زجاجات الزيت بمختلف أحجامها، وأكياس السكر والأرز المعبأة بعناية، تعلوها لافتات أسعار مخفضة بشكل لافت عن السوق والسلاسل التجارية، فتزداد حركة الأيدي في سحب الأكياس، ويعمل الموظفون على إعادة ما نقص.
على الرغم من كثافة التوافد، ظل المشهد هادئاً ومنتظماً، حيث تتلاشى الفوارق الطبقية والاجتماعية في مشهد إنساني بليغ. «الحاجة زينب»، ربة منزل بسيطة، قالت: «أنا كل يوم هنا، خلاص ما بقتش أنزل السوق ولا أروح للبقال، كارى أون قريب من شغلي، وبشترى منه كل حاجة حتى اللحوم والبيض، بصراحة غانيني عن السوق». أما الدكتور وليد سرحان، أستاذ الموارد البشرية، فقال: «أكثر ما لفت انتباهي هو بداية نزول الأسعار في الأماكن المجاورة بعد افتتاح كارى أون، وما ينقصنا هو زيادة عدد الكاشير».
في ممر الألبان، استقبلنا عامل القسم بابتسامة، ممسكاً بسكينه الطويلة، ويلبي رغبات الزبائن بأوزان دقيقة عبر ميزان رقمي حساس. وأمام بوابات الكاشير، اصطف الزبائن في صفوف متوازية، يغيب عنها الفوضى، حيث سجلت شاشات رقمية كل اختياراتهم، وانتهت الرحلة بفاتورة وحقائب محملة بالسلع وطمأنينة بتوفير نسبي وحماية من احتكار التجار.
قال عبدالخالق فهمي، أحد المسؤولين عن ضخ السلع من شركة النيل التابعة لوزارة التموين: «الفارق السعري وتوافر السلع لا يعنيان تنازل الوزارة عن الجودة، بل يعكس قدرة منظومة التموين على اختصار حلقة الوسطاء». وأكد أن درجة السحب من «كارى أون» يفوق معدلات السحب من المجمعات غير المطورة، وأن السلع الأساسية مثل الزيت والسكر والأرز تُضخ يومياً لتعويض النقص. وأضاف: «لم يعد المجيء لمنفذ كارى أون مجرد حاجة للفئات الأكثر احتياجاً، بل تحول إلى تجربة تسوق ذكية تجذب جميع الفئات».
تحقيق معادلة التوفير والإتاحة من تجربة «كارى أون» زاد مطالب التوسع في انتشارها على مستوى المحافظات، حيث لم تعد مجرد منفذ لشراء السلع، بل وجهة يومية جاذبة بإقبال جماهيري غفير، بفضل التنوع الشامل للسلع الاستراتيجية والغذائية، وقائمة أسعار عادلة ومخفضة بنسبة تصل إلى 25% عن السوق الخارجي.



