أمل دنقل، شاعر الواقع والألم، الذي تتردد قصائده في المظاهرات العربية وضد المطبعين، هو أحد أبرز الأصوات الشعرية المتمردة في العصر الحديث. وصفه النقاد بالشاعر المشاغب والجنوبي، نسبة إلى مولده في محافظة قنا بصعيد مصر. عاش ثائرًا متمردًا، وتظهر أشعاره وتكثر وقت الأزمات، حيث عشق الثوار في كل مكان، وأصبحت قصائده سلاح الوطنيين. كثيرون من الثوار العرب رددوا شعره في مظاهراتهم وعلى حوائط بيوتهم، وكثير من الفلسطينيين الأحرار حفظوه. عاش شاعرا يحمل كل متناقضات الحياة، حتى أنه عاش فقيرا دون أن يهين شعره، ورحل في مثل هذا اليوم عام 1983.
صدمة الهزيمة في قصائده
كانت أول صدمات الشاعر أمل دنقل في حياته انكسارا شديدا بسبب هزيمة مصر في يونيو 1967، وضياع الأرض العربية وفلسطين. عبر عن ذلك في قصيدتيه "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" ومجموعته "تعليق على ما حدث"، حيث تنبأ فيهما بالهزيمة وجسد فيها مستوى عاليا من النضج الفني والشعور العربي المحتقن والمحبط جراء تلك الهزيمة والنكسة التي ألمت بالعرب جميعا.
قال أمل دنقل تعبيرا عن النكسة في قصيدته الأولى "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة": "أيتها العرافة المقدسة.. جئت إليك.. مثخنا بالطعنات والدماء / أزحف فى معاطف القتلى.. منكسر السيف مغبر الجبين والأعضاء / أسأل يا زرقاء..عن فمك الياقوت، عن نبوءة العذراء / عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكًا بالراية المنكَّسة / عن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاةً على الصحراء / عن جاريَ الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء.. فيثقب الرصاصُ رأسَه.. في لحظة الملامسة! / عن الفم المحشوِ بالرمال والدماء."
نشأته ومسيرته الشعرية
ولد الشاعر أمل دنقل بقرية القلعة مركز قفط بمحافظة قنا أقصى جنوب الصعيد عام 1940، فنشأ على طباع الصعيد حتى أن رفاقه أطلقوا عليه وصف "الجنوبي" لاحتفاظه بأصالة الجنوب بداخله. سماه والده "أمل" بسبب حصول والده على العالمية في الأزهر. درس بكلية الآداب جامعة القاهرة، وعمل موظفا في البداية بجمرك الإسكندرية، وفي عام 1962 بدأ كتابة الشعر وتفرغ له، فكتب أول قصائده "كلمات سبارتكوس الأخيرة" و"رسالة من الشمال".
عشقه للقراءة والكتب
عشق أمل دنقل القراءة منذ صغره، ويحكى عن مكتبة الكتب الموجودة داخل منزله في طفولته وشبابه، حيث يؤكد أنها كانت الوتد الذي مكنه من القراءة والمطالعة. مؤكدا أن علاقته باللغة والقراءة نشأت في البيت وبسبب المناخ المحيط به. وحينما توفي والده، أكد بأنه لم يغير نظام حياته وظلت علاقته بالعالم ورؤيته له من خلال الكتب. وإن أول كتاب ارتبط به في حياته كان كتاب "وا إسلاماه" للكاتب علي أحمد باكثير، فكان أول كتاب يدعوه لقراءة العديد من الكتب والروايات لاحقا.
الثلاثي الشعري الجنوبي
كون أمل دنقل ثلاثيا شعريا مع الشاعر عبد الرحمن الأبنودي ويحيى الطاهر عبد الله، بحكم ميلادهم في الجنوب وحضورهم إلى القاهرة في أوقات متقاربة.
موقفه من السادات ومنع الكتابة
بعد رحيل الرئيس عبد الناصر واستمرار إطلاق الوعود بقرب الحرب ونيل النصر، كتب أمل دنقل قصيدته "أغنية الكعكة الحجرية" التي يقول فيها: "أيها الواقفون على حافة المذبحةْ.. أَشهروا الأَسلحةً/ سقط الموت، وانفرط القلب كالمسبحةْ.. والدمُ انساب فوقَ الوشاح / المنازل أضرحة، والزنازن أضرحةٌ، والمدَى.. أضرحةْ.. فارفعوا الأسلحةْ واتبعوني / أنا نَدَم الغد والبارحة/ رايتي: عظمتان.. وجمجمة.. وشعاري: الصباح."
أصدر الرئيس أنور السادات قرارا بمنع الشاعر أمل دنقل من الكتابة مع 63 كاتبا آخر، منهم توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس، بسبب موقف الأدباء من السكوت عن إنهاء حالة اللاسلم واللاحرب. وقتها كان أمل بدون عمل أو مأوى، يتنقل بين فنادق الدرجة العاشرة. وذات يوم جاءه خطاب من ليبيا يطلب منه الحضور والعمل في ليبيا وضمان حياة كريمة، إلا أنه رفض بشدة وقال إن النظام الليبي أشد سوءا من النظام المصري وقتئذ.
قصيدة "لا تصالح" ورفض التطبيع
عندما أعلن الرئيس السادات زيارته إلى إسرائيل وإلقاء خطاب في القدس، كتب أمل دنقل قصيدته "لا تصالح" التي وصفت بأنها أشهر منشور شعري سياسي تداوله الرافضون للتطبيع مع إسرائيل. كما أنها صرخة أطلقها الشاعر الجنوبي رافضا توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل والتطبيع، حتى لقب بأمير شعراء الرفض. وأصبحت القصيدة تتردد في المظاهرات المناهضة للتطبيع، وأصبحت بعد ذلك شعارات تتردد على ألسنة الثوار والمتظاهرين.
يقول في قصيدته: "لا تصالح.. ولو منحوك الذهب / أترى حين أفقأ عينيك.. ثم أثبت جوهرتين مكانهما / هل ترى..؟ هي أشياء لا تشترى.. هل يصير دمي - بين عينيك- ماء؟ / أتنسى ردائي الملطخ بالدماء.. تلبس - فوق دمائي- ثيابا مطرزة بالقصب؟ / إنها الحرب قد تثقل القلب.. لكن خلفك عار العرب / لا تصالح.. ولا تتوخ الهرب.. لا تصالح على الدم.. حتى بدم / لا تصالح ولو قيل رأس برأس.. أكل الرؤوس سواء؟ / أقلب الغريب كقلب أخيك؟.. أعيناه عينا أخيك؟ / تتساوى يد سيفها كان لك.. بيد سيفها أثكلك؟"
رحيله في الغرفة 8 بمعهد الأورام
عانى الشاعر أمل دنقل من المرض، حيث أصابه مرض السرطان اللعين وانتهت معاناته بالرحيل وهو في قمة توهجه الشعري، بعد أن ظل يقاوم المرض بالشعر أربع سنوات. فأخرج في آخر أيام حياته ديوانه "أوراق الغرفة 8" الذي اختتم به حياته في الغرفة 8 بمعهد الأورام القومي. وكانت ترافقه زوجته الصحفية الأديبة عبلة الرويني التي أحبها وتزوجها منذ أن أجرت حوارا صحفيا معه على مقهى ريش، ليرحل في مثل هذا اليوم عام 1983.



