ينظم الباب الثالث من مشروع قانون الأسرة للمسيحيين منظومة الوصاية والولاية في إطار قانوني متكامل، يعالج العلاقة بين الآباء والأبناء وحدود السلطة الأبوية وأحكام الحضانة، وصولاً إلى تنظيم الولاية التعليمية، عبر ثلاثة فصول رئيسية تهدف إلى تحقيق التوازن بين مصلحة الطفل الفضلى وحقوق والتزامات الوالدين.
السلطة الأبوية
في الفصل الأول، المعنون بـ"السلطة الأبوية"، أرسى المشروع قاعدة أخلاقية وقانونية داخل الأسرة، حيث ألزم الأبناء باحترام الوالدين وحسن معاملتهما، وفي المقابل ألزم الوالدين بتربية الأبناء ورعايتهم وتعليمهم، مع غرس القيم الدينية والاجتماعية والوطنية، إلى جانب الحفاظ على أموالهم والإنفاق عليهم، بما يعكس مبدأ المسؤولية المتبادلة داخل الأسرة في إطار قانوني منضبط.
الحضانة وما يتعلق بها
أما الفصل الثاني، فقد خصص لتنظيم الحضانة وما يتعلق بها، حيث وضع ترتيباً لمستحقي الحضانة يبدأ بالأم ثم الأب، ثم الجدات من الجانبين، فالأخوات بمختلف درجاتهن، ثم بقية الأقارب وفق ترتيب دقيق، مع التأكيد على أن معيار الحسم النهائي هو مصلحة الطفل المحضون، ومنح المحكمة سلطة تعديل هذا الترتيب إذا اقتضت الضرورة ذلك.
وحال عدم توافر مستحقي الحضانة من النساء أو عدم أهليتهن، تنتقل الحضانة إلى الرجال وفق ترتيب محدد يبدأ بالجد الصحيح ثم الإخوة ثم بقية المحارم، مع جواز إيداع الطفل لدى شخص أمين من المسيحيين أو جهة موثوقة إذا لم يوجد من يصلح للحضانة.
شروط اختيار الحاضن
وشدد المشروع على شروط صارمة لاختيار الحاضن، تشمل الأمانة والعقل والبلوغ والقدرة على التربية والرعاية، والخلو من الأمراض المعدية، وعدم وجود نزاعات تؤثر على الطفل، مع التأكيد على عدم الإضرار بدينه. كما قرر عدم جواز إسقاط الحضانة أو التنازل عنها نهائياً إلا في حدود ما تراه المحكمة محققاً لمصلحة الطفل.
كما نص على انتهاء الحضانة ببلوغ سن الخامسة عشرة، مع منح الطفل حق اختيار الإقامة مع من يشاء من أصحاب الحق في الحضانة، وإمكانية تغيير هذا الاختيار، مع استمرار الحضانة في حالات العجز أو المرض العقلي أو الجسدي، ووضع ضوابط مهمة، من بينها عدم تغيير اسم الطفل إلا بقرار قضائي أو موافقة الوالدين، وحظر نقل الطفل إلى محافظة أخرى دون إذن أو حكم قضائي حفاظاً على حق الرؤية.
مسكن الحضانة
وفيما يخص الحضانة ومسكن الإقامة، ألزم المشروع الأب بتوفير مسكن مناسب للمحضونين والحاضنة، مع تعريف مسكن الزوجية باعتباره آخر مسكن معد للإقامة بشكل لائق، وفي حالة عدم توفير المسكن، يحق للمحضونين البقاء في مسكن الزوجية أو الحصول على أجر مسكن، بحسب ظروف الملكية والإيجار، مع سلطة تقديرية للمحكمة في تحديد البدائل المناسبة.
كما نص على قيود تنظيمية داخل مسكن الحضانة، منها عدم جواز استضافة أشخاص من غير أولاد المطلق دون موافقة الأب إلا للضرورة، وعدم استقلال الحاضنة غير الأم بمسكن الزوجية إلا بموافقة أو حكم قضائي، وحدد المشروع مدة زمنية للمطالبة بمسكن الحضانة لا تتجاوز ستة أشهر من تاريخ صيرورة الحكم نهائياً.
الالتزامات المالية
وأقر المشروع استمرار التزامات الأب المالية، حيث يتحمل نفقة الرضاعة لمدة لا تتجاوز سنتين، وأجر الحضانة حتى انتهاء مدتها القانونية، مع إمكانية سقوط هذه الالتزامات بالأداء أو الإبراء أو الوفاة. كما يسقط التزام توفير المسكن إذا كان للمحضون مال أو مسكن خاص كافٍ.
الولاية التعليمية
وفي الفصل الثالث، نظم المشروع الولاية التعليمية، حيث جعلها للحاضن، مع إتاحة اللجوء إلى قاضي الأمور الوقتية في حال النزاع، لضمان تحقيق مصلحة الطفل الفضلى، كما ألزم الأب بتحمل مصروفات التعليم في مختلف المراحل، من التعليم التمهيدي حتى الجامعي، ما لم يطرأ سبب قانوني يبرر تعديل الالتزام.
وفي حالة اختيار تعليم خاص دون موافقة الأب، وكان يفوق قدرته المالية، يتحمل الأب جزءاً من المصروفات يتناسب مع دخله، بينما يتحمل الطرف الذي اختار التعليم الخاص باقي التكاليف، دون الرجوع على الأب بها.
وقال القس رفعت فكري، الأمين العام المشارك بمجلس كنائس الشرق الأوسط، إن مشروع القانون يمثل خطوة مهمة نحو تنظيم العلاقات الأسرية بطريقة عادلة ومتوازنة، مع حماية حقوق جميع الأطراف المعنية، ففهم القانون والإجراءات المترتبة عليه يساعد الأفراد على إدارة القضايا الأسرية بشكل قانوني سليم، وتجنب النزاعات المستقبلية، مشيراً إلى أن تنظيم الحضانة والوصاية في المشروع جاء منظماً بشكل عادل مع مراعاة مصلحة الأطفال لتوفير حياة صحية وآمنة لهم.



