في مثل هذا اليوم من عام 1882، بلغت الأزمة السياسية في مصر ذروتها بعد تقديم رئيس الوزراء محمود سامي البارودي استقالة حكومته رسميًا إلى الخديوي توفيق. وكانت الاستقالة احتجاجًا صارخًا وموقفًا وطنيًا حاسمًا رفعت فيه الوزارة راية التحدي في وجه القصر والقوى الاستعمارية؛ باعتبارها ردًا مباشرًا على قبول الخديوي للمذكرة المشتركة الثانية التي قدمتها إنجلترا وفرنسا، والتي طالبت صراحة بإقالة الوزارة وإبعاد زعيم الثورة العرابية، أحمد عرابي، عن البلاد. لكن رغم الموقف الوطني النبيل، كيف وضعت هذه الاستقالة حدًا لحكومة الثورة الأولى، وشكلت المنعطف الأخير الذي قاد مصر نحو الصدام العسكري المباشر مع الاحتلال الإنجليزي؟
رب السيف والقلم: مراحل الصعود العسكري والسياسي لمحمود سامي البارودي
ولد محمود سامي البارودي لعائلة شركسية ذات نفوذ عسكري، وتخرج في المدرسة الحربية ليبدأ مراحل صعوده بالخدمة في الجيش العثماني، وشارك في معارك كبرى مثل حرب القرم وحرب الجبل الأسود، حيث أظهر كفاءة قتالية وتنظيمية نادرة. رغم ذلك، لم يكن البارودي رجل سياسة تقليديًا، بل جمع بين صرامة العسكرية ورقة الأدب، حتى لقب في التاريخ بـ "رب السيف والقلم" لكونه أحد أكبر شعراء النهضة ومؤسس مدرسة الإحياء. ومع اندلاع الحراك الوطني في مصر، تولى البارودي نظارة الحربية في عهد حكومة شريف باشا، وحظي بثقة واسعة من الضباط الوطنيين، مما مهد له الطريق ليتولى رئاسة الوزراء في فبراير 1882، في حكومة شكلت ائتلافًا وطنيًا حملت اسم "حكومة الثورة".
تحالف السيفين: علاقة البارودي بأحمد عرابي
تسمت علاقة البارودي بأحمد عرابي، زعيم الحركة العرابية التي نادت بالاستقلال الوطني، بالتناغم الاستراتيجي والهدف المشترك لحماية البلاد؛ فرغم اختلاف أصولهما بين الشركسية والفلاحية، إلا أن البارودي كان يرى في عرابي ورفاقه صوت الشعب الحقيقي المناهض للتغلغل الأجنبي وسيطرة الشراكسة القدامى في الجيش. وعندما تولى البارودي رئاسة الحكومة، اختار عرابي ليكون وزيرًا للحربية، ليشكل الرجلان جبهة واحدة متماسكة أمام الخديوي والمراقبين الأجانب، ونجح التحالف بإصدار الدستور الجديد وزيادة ميزانية الجيش وتوسيع صلاحيات مجلس النواب، مما أثار حفيظة إنجلترا وفرنسا اللتين رأتا في هذا الثنائي خطرًا مباشرًا على مصالحهما وحصتهما في الديون المصرية.
كواليس استقالة البارودي: هكذا انتصرت الكرامة الوطنية على الكرسي
شهدت الساعات الأخيرة قبل استقالة محمود سامي البارودي ضغوطًا دولية غير مسبوقة؛ حيث حركت إنجلترا وفرنسا أساطيلهما البحرية أمام شواطئ الإسكندرية، ووجهتا إنذارًا للخديوي بقبول المذكرة المشتركة التي تقضي بإبعاد عرابي ونفي رفاقه. وحين انصاع الخديوي توفيق للإملاءات الأجنبية ووافق على المطالب الاستعمارية دون الرجوع لحكومته، اعتبر البارودي هذا التصرف طعنة في قلب السيادة الوطنية ومخالفة صريحة للدستور؛ فجمع وزراءه ورفض بشكل قاطع التوقيع على قرار إبعاد عرابي، معلنًا استقالة الحكومة فورًا لأنها لا تقبل أن تكون أداة لتنفيذ مخططات التدخل الأجنبي. وهي الخطوة التي نال بها البارودي احترامًا تاريخيًا بعدما فضل التخلي عن السلطة على أن يسجل التاريخ اسمه كمتواطئ في تسليم رقبة البلاد للمستعمر.



