نقابة الصحفيين: رحلة تأسيس من شقة الإيموبيليا إلى مبنى منارة الإشعاع
في مثل هذا اليوم، 31 مارس 1941، شهدت مصر حدثاً تاريخياً مهماً مع صدور القانون رقم 10 لسنة 1941 بتأسيس نقابة الصحفيين، وذلك بعد مشوار طويل من النضال والمحاولات المستميتة التي بذلها رواد مهنة الصحافة مع حكومات متتالية، بهدف إنشاء كيان نقابي يدافع عن حرية التعبير ويحمي مصالح الصحفيين.
بدايات النضال والتأسيس
بدأت فكرة إنشاء نقابة للصحفيين في مصر منذ عام 1891، عندما ظهرت دعوات في جريدة الأهرام لإنشاء رابطة للصحفيين. أعادت جريدة المؤيد الدعوة عام 1909، وتم إنشاء الرابطة فعلياً عام 1912، حيث انتخب مسيو كانيفيه، صاحب جريدة لاريفورم، نقيباً لها، وضم مجلسها شخصيات بارزة مثل فارس نمر وأحمد لطفى السيد. ومع ذلك، توقف نشاط الرابطة مع اندلاع الحرب العالمية الأولى.
بعد الحرب، أعاد تكوين الرابطة مجموعة من الصحفيين البارزين، بما في ذلك داود بركات وإسكندر سلامة ومحمد حافظ عوض وجورج طنوس، واتفقوا على تحويلها إلى نقابة للصحفيين. عقب صدور دستور 1923، تقدم أمين الرافعي ومحمد حافظ عوض وليون كاسترو بطلب إلى رئيس الوزراء لإصدار قانون لإنشاء نقابة الصحفيين. في عام 1924، اجتمع عدد من الصحفيين لإعداد مشروع النقابة، لكن الحكومة لم تعترف بها رسمياً، إلى أن صدر مرسوم باعتماد نظام جمعية الصحافة عام 1926.
صدور القانون والتأسيس الرسمي
تقدم علي ماهر باشا إلى مجلس النواب بمشروع إنشاء نقابة للصحفيين، الذي أعده الدكتور محمود عزمي. استمر الجدل في مجلس الشيوخ حول المشروع، حيث اعترض النائب يوسف الجندي على نص يحرم عضو نقابة الصحفيين من ممارسة السياسة، أسوة بباقي النقابات. تم الأخذ برأيه، فأصبحت نقابة الصحفيين أول نقابة لا يحظر قانونها الاشتغال بالسياسة.
تمت الموافقة على القانون رقم 10 في 31 مارس 1941، وتعيين أول مجلس للنقابة من 12 عضواً، نصفهم يمثلون أصحاب الصحف، وهم محمود أبو الفتح، جبرائيل تكلا، فارس نمر، عبد القادر حمزة، محمد التابعي، إدجار جلاد، والنصف الآخر من الصحفيين، وهم حافظ محمود، فكري أباظة، محمد خالد، خليل ثابت، إبراهيم عبد القادر المازني، مصطفى أمين.
أول جمعية عمومية ومقر النقابة
انعقدت أول جمعية عمومية للصحفيين في الساعة الثالثة بعد ظهر يوم الجمعة 5 ديسمبر 1941 بمحكمة مصر بباب الخلق، حيث حضرها 110 عضواً، وسدد كل منهم جنيه واحد اشتراكاً. انتخب محمود أبو الفتح أول نقيب للصحفيين، وعبد القادر حمزة وكيلاً، وحافظ محمود سكرتيراً عاماً، ومحمد خالد أميناً للصندوق.
لم يكن للنقابة مقر رسمي في البداية، رغم أن موافقة الحكومة على إنشائها اقترنت بشرط توفير مقر لها. سارع محمود أبو الفتح بالتنازل عن شقته بعمارة الإيموبيليا لتصبح أول مقر للنقابة. مع نمو النقابة، أصبحت الحاجة إلى مكان أكثر اتساعاً ملحة، فاستخدمت قاعة نقابة المحامين الكبرى لعقد الاجتماعات.
تطور المقر وبناء المنارة
في عام 1944، أمر وزير الداخلية فؤاد سراج الدين بمنح النقابة مبنى كان مخصصاً للعب القمار وتمت مصادرته. لاحقاً، أمر مصطفى النحاس، رئيس الوزراء، بتخصيص الأرض المجاورة لنقابة المحامين، التي كانت تحت السيطرة البريطانية، ليقيم عليها الصحفيون نقابتهم. وجه حافظ محمود إنذاراً للقيادة البريطانية بإخلاء الأرض من معسكراتهم لإقامة مبنى جديد.
جاءت مشكلة تمويل مبنى نقابة الصحفيين، حيث اعتمد محمود فهمي النقراشي، رئيس الوزراء، مبلغ 40 ألف جنيه لتكاليف إنشاء المبنى. في رسالة إلى الصحفيين، قال النقراشي: "يسعدني أن أبلغكم بأن يتم هذا البناء ويفرش بأحدث المفروشات حتى يصبح منارة إشعاع تطل منها مصر بحضارتها العريقة على الدنيا كلها."
عهد إلى المهندس د. سيد كريم بإعداد تصميم نموذجي للنقابة، ووضع النقيب محمود أبو الفتح حجر الأساس للمبنى في أول يونيو 1947. تم افتتاح مبنى نقابة الصحفيين رسمياً في 31 مارس 1949.
تحديثات وتوسعات لاحقة
في عام 1981، خلال دورة النقيب صلاح جلال، تجددت المحاولات لتطوير المقر، حيث نجح النقيب في استصدار قرار من الرئيس حسني مبارك بالتنازل دون مقابل عن قطعة الأرض المقام عليها مبنى النقابة، على أن يقتصر الانتفاع بها على أعضاء النقابة ويحظر التصرف فيها للغير لمدة خمسة وعشرين عاماً. تم عمل رسوم تفصيلية لإقامة مبنى جديد يتكون من 17 طابقاً، وقدرت التكلفة بـ 12 مليون جنيه، لكن المشروع لم ير النور.
ثم حصل النقيب إبراهيم نافع عام 1995 على 10 ملايين جنيه من الدولة لدعم بناء مبنى النقابة، وتم وضع حجر الأساس في 10 يونيو 1997 خلال الاحتفال بيوم الصحفي. في عام 1998، وقع مكرم محمد أحمد، نقيب الصحفيين، عقد بناء مبنى نقابة الصحفيين مع الإدارة الهندسية للقوات المسلحة، وانتهى العمل بالمبنى وتم تأثيثه والانتقال إليه في يوليو 2002.
هكذا، تحولت نقابة الصحفيين من شقة متواضعة في عمارة الإيموبيليا إلى مبنى منارة الإشعاع الذي يمثل رمزاً لحرية التعبير والدفاع عن مصالح الصحفيين في مصر.



