قصة صالح أبوحديد: من لص إلى ولي
تزخر القاهرة بتاريخين: تاريخ مكتوب في الوثائق، وآخر أسطوري محفور في ذاكرة الناس. ومن بين شخصيات هذا التاريخ الأسطوري رجل يُدعى صالح، احترف الإجرام والسرقة بالإكراه، واتخذ من منطقة درب سعادة مقراً له. كان يجلس في أحد الأزقة يراقب المارة، وعندما يلوح في الأفق الشخص المناسب، يطلق صيحته بكلمة السر «يا واحد»، فينقض أفراد عصابته على الضحية ويسلبونه كل ما يملك.
الملاحقة والاختفاء
تكررت الجريمة مرات حتى ضج الناس بالشكوى، فتدخلت الشرطة ونصبت كميناً للعصابة. تمكنت من القبض على بعض أفراد التنظيم، بينما هرب زعيمهم صالح واختبأ في منزل سيدة كانت تحترف الغناء. لكن حالة الهلع التي انتابته جراء المطاردة تسببت في إصابته بمرض أفقده القدرة على الكلام. أما صاحبة المنزل فقد قيدت قدميه بالحديد خوفاً من تهمة إيواء مجرم، وتركته يهذي بكلمات لا يفهمها أحد. جاءت الشرطة فرأت رجلاً عاجزاً مريضاً مكبلاً، فتعاطفت معه وأطلقت سراحه.
تحول الأسطورة
وهنا انتهت قصة اللص صالح وبدأت قصة صالح أبوحديد الذي نُسجت حوله الأساطير. سرعان ما ذاع صيته وتناسى الناس ماضيه، واعتبروا أن ما يهذي به من كلمات غير مفهومة إنما هي رسائل من عالم آخر، وبشارات وتحذيرات لمن يُحسن قراءتها. ظهر وسيط يترجم هذا «الكلام السماوي»، وتوافد الناس، وكان جلهم من النساء الباحثات عن الزواج والإنجاب، وكانت الإجابات المنقولة عن لسان صالح أبوحديد ملؤها الأمل في مستقبل تتحقق فيه الأمنيات.
بشارة الخديوي إسماعيل
حتى سمعت بأمره الوالدة باشا خوشيار هانم، أرملة إبراهيم باشا، فقصدت بابه تستطلع الخبر، فأُخبرت أن ابنها إسماعيل سيصير حاكماً لمصر، وأن أخاه غير الشقيق مصطفى فاضل سيخرج من معادلة الحكم والسياسة، ليخلو الجو للأمير إسماعيل الذي سيصبح أول من يتلقب بلقب خديوي مصر بين حكام أسرة محمد علي.
التحديث وبناء المسجد
طمح إسماعيل أن يحوّل مصر إلى قطعة من أوروبا، فبنى القاهرة الخديوية بشوارعها الواسعة وميادينها الفسيحة، وأسس دار الأوبرا، وفتح أبواب مصر للعلم والفن والتحديث. لكن هذا الرجل نفسه، بكل نزعته الحداثية، لم يستطع أن يتحرر من سحر البشارة التي سمعتها أمه يوم زارت صالح أبوحديد. فأمر ببناء مسجد فخم له في ضاحية السيدة زينب، وأوقف عليه الأوقاف، واستقدم خطاط الحرمين عبدالله الزهدي ليزين جدرانه بأجمل الخطوط العربية. ولا يزال هذا المسجد قائماً في قلب القاهرة، شاهداً على قصص الحكم والسياسة والتحديث والتطلع للغرب والإغراق في المحلية.



