الحصان المهاجر: قصة عشق مصرية قديمة
يواصل الكاتب والسيناريست ناصر عبدالرحمن سلسلته الفريدة "من هاجر إلى.. في الشخصية المصرية"، متناولاً في الجزء الرابع المهاجر الثاني بعد نهر النيل، وهو الحصان. يصف عبدالرحمن الحصان بأنه مهاجر ساحر، ذكي، خفيف، سريع، ونبيل كبطل تراجيدي عظيم. ويشير إلى أن الحصان جاء إلى مصر مع الهكسوس بين عامي 1650 و1550 قبل الميلاد، ورغم أنهم كانوا مهاجرين تحولوا إلى أعداء، إلا أن الحصان وجد في مصر مقصده ومكانه الذي ينتمي إليه.
صفات الحصان المصري: مرونة وعذوبة وتحمل
يؤكد عبدالرحمن أن الحصان في مصر اكتسب صفات مصرية خالصة، مثل المرونة والعذوبة والتحمل، وكأن صبغة الأرض المصرية تطبع على كل مهاجر. ويذكر أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم سمى الحصان "السكب"، وكان عنده خيل بأسماء مثل "اللزاز"، "الطرب"، "الورد"، و"البحر". ويصف الكاتب العلاقة الحميمية بين الحصان المهاجر ونهر النيل المهاجر الأول، حيث يشرب الحصان من ماء النيل في أرض مصر الحاضنة، ليجمع بين الرشاقة والقوة، وبين السكون والحركة.
جمال الحصان التراجيدي
يقدم عبدالرحمن وصفاً شاعرياً للحصان: "سهيلة غزل.. العينان واسعتان لامعتان فيهما ذكاء وحنان.. الأذنان منتبهتان في دقة وتركيز.. رحب الصدر.. طويل العنق.. كريم العرق.. عنق فيه قوة ومرونة.. والذيل أوتار عود وكمان.. ليل ستر.. جمال تراجيدي جميل". ويشير إلى أن للخيل شخصية تملؤها الكرامة والوفاء، وتكره القيود والعبودية، فقد خلقت حرة أصيلة.
الخيل في الثقافة المصرية والعربية
يسرد الكاتب أسماء الخيل الشائعة في مصر مثل نفيسة، عزيزة، مبروكة، غزالة، البرق، الرعد، الأدهم، والورد. ويستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، مثل: "والعاديات ضبحاً"، و"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"، و"ومن رباط الخيل". كما يذكر أبياتاً شعرية لامرئ القيس وحسان بن ثابت، ويقول: "ما الخيل إلا كالصديق قليلة وإن كثرت في عين من لا يجرب". ويضيف أن الحصان في الموال الصعيدي يعرف فارسه ساعة الشدة، كما أن الناس تعرف معدن الرجال وقت المحنة.
الحصان في المولد النبوي والمناطق المصرية
يذكر عبدالرحمن أن للحصان مكانة في مصر جعلته مقترناً بالمولد النبوي الشريف، حيث يُصنع من السكر ليفرح به الأطفال. ويدعو القارئ إلى زيارة مناطق مثل الحسينية، جزيرة سعود، بلبيس، إنشاص، بني جري، بطحا المرج، والشرقية، وسؤال عن عائلات الطحاوية. كما يتحدث عن عم حسان صاحب الحنطور الذي يربي حصانين بخيت وبخيتة، ويصفهما بأنهما كنزه وثروته وأحبابه بجوار أبنائه. ويقول عم حسان إن حصانه له في كل صبح مزاج، وفي كل لفتة نظرة، ولكل تعامل معنى، وإن حصانه عالم كامل يغنيه عن تقلبات الناس وحماقاتهم.
تحول الحصان العربي إلى مصري
يؤكد الكاتب أن الحصان في مصر يتحول إلى مصري، حتى الحصان العربي يأتي إلى أرض مصر ليتحول مضافاً إليه صفات الطيبة والمرونة والرضا، وهي ثلاث صفات مصرية تضاف إلى التحمل، وتشكل جدران الشخصية المصرية.
ذكريات الطفولة والهروب إلى الخيل
يروي عبدالرحمن ذكرياته في العاشرة من عمره، حيث كان يهرب من بيت أبيه إلى بيت جده حمدان في شارع عويس البحيري. ويقول إن محاولات الهروب تطورت حتى الآن، وإنه يهرب من النفاق والأنفاق ومن الخدع والبريق، إلى الوحدة والمدى، ومن الضجيج إلى الرمال والجبل. ويصف مشهداً مؤثراً لفرسة عم خليل صاحب الحنطور التي سقطت في الشارع، وكيف تجمع أهل الحى، وانحنى عم خليل يوشوشها في أذنها كأنه يتلو عليها آيات الوداع. ويقول: "تحركت دون إدراك حتى أصبحت أرى عين الفرسة وهي تبكي كرد بليغ بين عاشقين".
تأثير المسلسلات والقراءة
يتذكر الكاتب مشاهدته مسلسل "الرجل والحصان" تأليف محمد جلال عبدالقوي وإخراج أحمد خضر، وتأثره بدموع الشاويش طلبة الذي تمرد على قتل حصانه. ويحكي عن زياراته لدكان جده في العتبة بجوار سور الأزبكية، حيث كان يأخذ كتاباً أو مجلة من بائع الكتب ويعيدها في نهاية اليوم. ويقول: "تعلمت القراءة من جلوسي بجوار بائع الكتب، كما تعلمت الكتابة من كتابتي جوابات جدتي وأبي للأهل والأقارب في الصعيد". وقرأ للعقاد، عبدالرحمن بدوي، عبدالحليم عبدالله، تولستوي، وتشيكوف، ولا سيما قصة "لمن أشكو كآبتي؟!" التي تحكي عن رجل مات ابنه الوحيد يقود عربة تجرها الخيل، ويجلس في الإسطبل لا يجد من يشكو له غير حصانه.
الحصان في أعمال الكاتب
يختتم عبدالرحمن بالإشارة إلى مسلسله "جبل الحلال" وبطلها "أبوهيبة" الذي كان عنده إسطبل خيل، وعندما عاد من رحلة علاج وكاد أن يموت في غربته، كان في انتظاره حصانه الذي كسر قيود الإسطبل ليستقبله أمام بيته، مسابقاً زوجته وبناته وأهله.



