نظمت لجنة الفنون بالمجلس الأعلى للثقافة مائدة مستديرة بعنوان «تفعيل النشاط الفني في المدارس وتأصيل دراسة الفنون لجميع التخصصات في الجامعات»، بحضور نخبة من الأكاديميين والخبراء والمتخصصين في مجالات التعليم والفنون والثقافة المسرحية والموسيقية.
أهمية دمج الفنون في بناء الشخصية ومواجهة التطرف
أدارت المائدة الدكتورة حنان أبو المجد، مقررة لجنة الموسيقى والأوبرا والباليه، والتي استهلت اللقاء بالحديث عن الأهمية الاستراتيجية لدمج الفنون في المنظومة التعليمية بمختلف مراحلها. وأكدت أن الفن ليس مجرد نشاط ترفيهي، بل هو ركيزة أساسية في بناء الشخصية وتطوير الفكر الإبداعي والجمالي لدى الطلاب، مما يسهم بشكل مباشر في صياغة وجدان المجتمع وحمايته من الأفكار المتطرفة.
شارك في النقاش كل من: الأستاذ الدكتور أيمن الشيوي رئيس قطاع المسرح وعضو لجنة المسرح، والدكتورة نبيلة حسن رئيس أكاديمية الفنون، وعادل حسان رئيس المركز القومي للمسرح، والدكتورة علية عبد الهادي رئيس لجنة قطاع الفنون والتربية الموسيقية بالمجلس الأعلى للجامعات، والدكتور فوزي الشامي عميد الكونسرفتوار سابقاً، والدكتور محمد أبو الخير أستاذ المعهد العالي للفنون المسرحية بأكاديمية الفنون ومقرر لجنة المسرح، والدكتور تامر نجم الدين مدير الإدارة العامة للتعليم والتدريب المزدوج بوزارة التربية والتعليم والتعليم الفني.
تناول المتحدثون آليات تفعيل الأنشطة الفنية في المدارس وتكاملها مع المناهج الدراسية، بالإضافة إلى سبل تأصيل دراسة الفنون وتذوقها كمتطلب عام في مختلف التخصصات الجامعية لضمان تخريج أجيال مبدعة ومثقفة. وركزت المداخلات على ضرورة التعاون المشترك بين وزارتي الثقافة والتربية والتعليم والتعليم الفني والتعليم العالي والبحث العلمي لإعادة إحياء المسرح المدرسي والجامعي، وتطوير قاعات ومراسم الفنون، وتدريب معلمي الأنشطة، بما يضمن خلق بيئة محفزة للمواهب الشابة ويدعم ريادة مصر الثقافية والفنية.
المسرح المدرسي كمدخل أساسي لتنمية الوعي والتذوق الجمالي
أكد أيمن الشيوي أهمية المسرح المدرسي في بناء شخصية الطالب، مشيراً إلى أن دوره لا يقتصر على اكتشاف المواهب الفنية فحسب، بل يسهم في تنمية مهارات التواصل والعمل الجماعي والثقة بالنفس، فضلاً عن ترسيخ قيم الانتماء والوعي والتذوق الجمالي. وشدد على ضرورة إعادة الاهتمام بالمسرح المدرسي وتوفير الإمكانات اللازمة لتفعيله داخل المؤسسات التعليمية، باعتباره مدخلاً أساسياً لتأصيل الفنون في المجتمع وتنمية الحس الإبداعي لدى الأجيال الجديدة.
تحديث البنية التحتية والمقررات الثقافية لربط التعليم الأكاديمي بالتطبيق
أكدت علية عبد الهادي أهمية الاستفادة من التجارب الدولية الرائدة في تطوير التعليم، مشيرة إلى أن تطوير العملية التعليمية لا يقتصر على تحديث المناهج بل يمتد ليشمل تطوير بيئة التعليم والتعلم والبنية التحتية للمؤسسات التعليمية، من خلال تحديث القاعات الدراسية والورش والمعامل والمرافق الثقافية والإبداعية، بما يتيح للطلاب فرصاً أكبر للتعلم التطبيقي واكتساب الخبرات العملية. كما شددت على أهمية ربط الدراسة الأكاديمية بالتطبيق العملي عبر ورش العمل والمشروعات الطلابية.
وأضافت أن تأصيل دراسة الفنون داخل الجامعات يتطلب إدراج مقررات ثقافية وفنية وإبداعية ضمن متطلبات الجامعة لجميع التخصصات، على أن تُطرح بصورة مدروسة لا تتعارض مع المقررات التخصصية الأساسية. وأكدت أن نجاح هذه المقررات يرتبط بأساليب التدريس الحديثة وقدرتها على جذب الطلاب والتفاعل مع اهتماماتهم، فضلاً عن إتاحة الفرصة لهم للاحتكاك بالتجارب والخبرات الخارجية المرتبطة بمجالات تخصصهم.
مقترح إنشاء الثانوية الإبداعية ونجاح الفنون في الفضاءات العامة
أكدت نبيلة حسن أن الفنون تمثل إحدى أهم أدوات بناء الإنسان وتعزيز القوة الناعمة المصرية، مشيرة إلى ضرورة إعادة الاعتبار للفنون الأدائية داخل المدارس بعد تراجع حضورها مقارنة بالفنون التشكيلية، لما لها من دور في تنمية الوعي والإبداع ومهارات التواصل والعمل الجماعي. وطرحت فكرة إنشاء «الثانوية الإبداعية» كمسار تعليمي متخصص لرعاية الموهوبين في مجالات المسرح والسينما والموسيقى والفنون الشعبية، على أن يتم تنفيذها من خلال مراكز بالمحافظات تحت إشراف أكاديمي متخصص وبالتعاون مع الجامعات والمؤسسات الثقافية.
وأكدت أن هذا المسار لا يتعارض مع التعليم التقليدي، بل يضيف إليه بُعداً إبداعياً يسهم في تكوين شخصية الطالب، مشددة على أهمية تكامل جهود وزارات الثقافة والتربية والتعليم والتعليم العالي لتوسيع قاعدة الممارسة الفنية وربط التعليم الفني باحتياجات المجتمع وسوق العمل. وأشارت إلى نجاح تجربة «شارع الفن» في جذب الجمهور بمختلف فئاته، مؤكدة أن المجتمع المصري ما زال يتمتع بذائقة فنية رفيعة، وأن الشباب لديهم ارتباط حقيقي بالتراث الفني والموسيقي المصري.
تراجع تعليم الفنون واستلهام نماذج الفصول الموسيقية الستينية
تحدث الدكتور فوزي الشامي مؤكداً أهمية إعادة تفعيل النشاط الفني داخل المدارس باعتباره الأساس الحقيقي لاكتشاف المواهب وبناء الأجيال الجديدة من المبدعين. وأشار إلى أن تعليم الفنون في المدارس شهد تراجعاً ملحوظاً مقارنة بما كان عليه في السابق، حيث كانت الأنشطة الفنية والموسيقية تحظى باهتمام كبير وتوافر الإمكانات اللازمة. واستعرض تجربة الفصول الموسيقية المتخصصة التي أُنشئت في عدد من المدارس خلال ستينيات القرن الماضي، وأسهمت في تخريج أجيال من الموسيقيين والفنانين المتميزين، مؤكداً أن هذه التجارب أثبتت نجاحها في اكتشاف الموهوبين وصقل قدراتهم، إلا أنها لم تستمر رغم نتائجها الإيجابية.
كما أشار إلى أهمية توفير البنية الأساسية اللازمة لممارسة الفنون داخل المدارس، من قاعات مجهزة وأدوات وآلات موسيقية ومعلمين متخصصين، مؤكداً أن الاهتمام بالفنون يجب أن يبدأ من المراحل التعليمية الأولى. وأضاف أن تجربة إنشاء كلية العلوم السينمائية والمسرحية بجامعة بدر تمثل نموذجاً لدعم التخصصات الفنية وتطوير مؤسسات التعليم الفني.
صياغة السياسات الوطنية وإعداد مناهج التربية المسرحية المشتركة
أكد عادل حسان أن النهوض بالمسرح المدرسي يمثل مدخلاً رئيسياً لتفعيل النشاط الفني في المؤسسات التعليمية، مشيراً إلى أن المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية عمل خلال الفترة الماضية على بناء شراكات مع وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي لدعم المسرح المدرسي والجامعي. واستعرض الجهود التي بُذلت لإعداد سياسة وطنية لتطوير المسرح المدرسي، والتي أسفرت عن تنفيذ جانب كبير من توصياتها، إلى جانب العمل على إعداد منهج للتربية المسرحية للمرحلة الإعدادية وتنظيم مسابقات وأنشطة مسرحية على مستوى المدارس.
وأضاف أن التعاون بين المؤسسات الثقافية والتعليمية أثمر عن تشكيل لجنة عليا للمسرح المدرسي تضم ممثلين عن الجهات المعنية والخبراء والمتخصصين، بهدف وضع رؤية مستدامة لتطوير النشاط المسرحي واكتشاف المواهب. كما أشار إلى أهمية إتاحة فرص التدريب الميداني لطلاب كليات التربية النوعية والفنون وأكاديمية الفنون داخل المدارس.
دور الأدوات التربوية الفنية في صقل مهارات التواصل والثقة
تحدث الدكتور تامر نجم الدين مؤكداً أهمية الفنون والأنشطة المسرحية في بناء شخصية الطالب وتنمية وعيه وقدراته الإبداعية، مشيراً إلى أن المسرح المدرسي من أهم الأدوات التربوية التي تسهم في غرس القيم وتنمية مهارات التواصل والعمل الجماعي والثقة بالنفس لدى الطلاب. وأكد أن الاهتمام بالفنون داخل المدارس لا يقل أهمية عن الاهتمام بالمناهج الدراسية، لما لها من دور محوري في اكتشاف المواهب وصقلها، وإعداد أجيال أكثر قدرة على التفكير والإبداع والمشاركة الإيجابية في المجتمع.



