في زنزانة مظلمة، حيث تتصادم الأفكار وتتساقط الأقنعة، وجد رجب عبدالمعطي نفسه وجهاً لوجه مع سؤال غيّر مجرى حياته: «هل كان الإخوان سيتظاهرون لدعم شرعية أي رئيس غير محمد مرسي؟». هذا السؤال البسيط في ظاهره، العميق في دلالاته، كان المفتاح الذي فتح له باب الخروج من تنظيم الإخوان الإرهابي، بعد سنوات من الانتماء والانقياد الأعمى.
رحلة عبدالمعطي مع الإخوان: من الانتماء إلى الصحوة
قضى عبدالمعطي، وهو خريج كلية العلوم، عامين في السجن موزعين على فترات، خلالها اختبر أصعب مراحل حياته. في العزلة والظلام، بدأ يراجع كل ما التصق به من أفكار وثوابت، مقارناً بين ما يعتقده وما يحدث على أرض الواقع. يقول: «كنت أقارن بين ما يعتقد التنظيم وما يحدث فعلياً، واكتشفت أن البدايات لا تفضي إلى هذه النتائج، وأن المشروع الإسلامي الذي تحدثوا عنه فشل على يد محمد مرسي بطريقة توقفت أمامها عاجزاً عن التبرير».
خلال عام حكم الإخوان بقيادة مرسي، واجه شباب الجماعة أزمات متتالية، ودخلوا في صدامات مع الجميع: الناس والمؤسسات والقضاة. لم يكن لعبدالمعطي دور في ذلك العام سوى تنفيذ أمر واحد بصيغ مختلفة: «تظاهروا لدعم مرسي». كان الأمر يأتيهم بطريقة تناسب حالة عدم الرضا التي شعر بها الشباب تجاه أداء الرئيس الإخواني، لكنه لم يكن نصرة لشخصه، بل تكليفاً بصيغة قبلية: «استحالة الريس بتاعنا يسقط، ده شرعيتنا وممثلنا حتى لو أخطأ».
في السجن: صراع على القيادة ورفض للهيمنة
يتذكر عبدالمعطي أن الإخوان حاولوا السيطرة على السجن، واختلفوا حول من يتولى زعامة الأسر في كل زنزانة. ويصف هذه الفترة بأنها من أصعب فتراته، خاصة مع بوادر ثورة 30 يونيو، حيث أطلقت الجماعة نفيراً عاماً يطلب من أعضائها التمركز حول المقرات وحمايتها بالروح والدم، بما في ذلك مقار مكتب الإرشاد وحزب الحرية والعدالة في كل محافظة. يقول: «لم أكن وقتها صاحب قرار، بل مجرد منفذ للتعليمات التي تأتيني من مسؤول الأسرة في القرية، وأنقلها لشباب المرحلة الثانوية الذين جندتهم في الأسرة». يومها صنفته الجماعة بـ«المتخاذل» حين أعلن أنه لا يجيد إشعال الشماريخ ولا حمل الشوم ولا ضرب العصا. شاهد الشباب يفعلون ذلك ووقف عاجزاً عن مجاراتهم، وهو الأمر الذي لم ينسه قيادات الجماعة داخل السجن، وتسبب في ملاحقتهم له وضغوطهم عليه.
واكتشف عبدالمعطي أنهم يريدون تحويل السجن إلى «أسرة صغيرة وشعب»، حيث كل زنزانة تمثل شعبة لها قيادة وتدرج، وهو ما اعتبره أقصى درجات شهوة الحكم والسيطرة. لم تخل فترة السجن من خلافات بين القيادات المسجونة حول من له حق القيادة والهيمنة على أعضاء التنظيم المسجونين معه، وهو ما كان أحد أسباب الصحوة لدى عبدالمعطي وعدد من رفاقه، حيث رفضوا إدارة الإخوان لهم في السجون بعد الفشل الذي أحرزوه في إدارة الجماعة كجزء والبلد ككل.
السؤال المصيري: شرعية أي رئيس؟
في خلوته داخل الزنزانة، نظر عبدالمعطي حوله بتمعن: الجدران الباردة، الظلام الدامس، والوجوه التي لا يميزها بعد غروب الشمس. دفعته هذه الأجواء للحديث مع نفسه: «ليه أنا هنا.. في سبيل ماذا أو في سبيل من؟». كانت الإجابة صعبة وعصية، لكنها لم تكن أصعب من إجابته عن السؤال الذي غيّر مساره: «لو لم يكن محمد مرسي هو اللي في الحكم، وكان يوجد أي من الـ11 مرشحاً، وثار الشعب ضده، ماذا كان موقف جماعة الإخوان؟ هل سينتصر الإخوان لشرعية الحاكم أياً كان انتماؤه؟».
أمام الإجابة التي استخلصها بنفسه، كان قراره بأن هذا فراق أبدي بينه وبينهم. قالها بثبات لأنه كان يعرف تاريخهم جيداً، فهو العضو «اللي مش فالح غير في القراية»، والذي توقف كثيراً عند التاريخ الانتقائي الذي كان يفرض عليهم. اكتشف بنفسه أن كل ما قرأه من تاريخ الإخوان مدلس أو موضوع أو يصدر صورة ذهنية بعينها منافية للحقيقة، تفيد بأنهم قدموا تضحيات وخاضوا محناً. وحين يسأل: ما أسباب التضحيات، وما مظاهر هذه المحن؟ لا يسمع سوى الصمت صوتاً.
اعتذار للأم ورسالة تحذير
اعترف عبدالمعطي بذنبه العظيم لأمه، وكان مديناً لها بالاعتذار لأنه لم يستمع لصوتها وهي تنصحه بالبعد عن الجماعة الملعونة. لكنه قرر أن يهب كل وقته للتكفير عن هذا الذنب وتوعية كل من سقطت قدماه في وحل التنظيم. يفخر بأن يديه لم تتلوثا كثيراً، وأنه كان مسؤولاً عن تجنيد شباب ثانوي، فقبل أن يبدأ هؤلاء فهم الإخوان والاندماج فيهم، قامت ثورة يونيو وأزالت ذكرهم من وجدان المصريين، فعاد الشباب أدراجهم مواطنين عاديين لا يحملون مشروعاً ولا ينتمون لجماعة أو تنظيم.
ويستند عبدالمعطي في توضيح رحلته مع الجماعة إلى أنه لا يوجد هذا النموذج في أي دولة في العالم، وأكثر الدول ديمقراطية لا توجد بها جماعات سرية معترف بها. فجماعة سرية في عرف الدول تعني عملاً خارجاً عن القانون، ويستدل على هذا بموقف الإخوان أنفسهم خلال عام حكمهم المشؤوم: «لم تتقبل الجماعة وجود جبهة الإنقاذ ولا أي نشاط لمجموعات تمارس العمل السياسي والذي كان معلناً وقتها، فما بالنا بعمل سياسي سري له تمويل خارجي وأجندة دولية بحكم أن له فروعاً في عدد من الدول؟».
ويطرح عبدالمعطي سؤالاً حاسماً حول التمويل: «من يدفع لمن ولماذا؟». ويؤكد أن هذا السؤال لا يفضي إلى إجابة منطقية داخل التنظيم، فمن المستحيل أن تكون اشتراكات الأعضاء هي مصدر التمويل في الجماعة. صحيح أن نظام الدفع كان يتم بصورة نسبة من راتب كل عضو لا تقل عن 5%، لكن حتى هذا في نظره لا يبرر الإنفاق الرهيب والمبالغ فيه للجماعة في كل المصارف التي كانوا يبدون فيها مظاهر التكافل مع الأعضاء.



