الدكتور مهاب مجاهد: الغش في الامتحانات يهدد الأمن القومي ويصنع وعياً مشوهاً
الغش في الامتحانات يهدد الأمن القومي

لم تعد ظاهرة الغش في الامتحانات مجرد مخالفة مدرسية عابرة أو محاولة فردية للهروب من صعوبة المناهج وضغوط التنافس، بل أصبحت، كما وصفها الدكتور مهاب مجاهد، قضية ترتبط بالأمن القومي وبمستقبل الشخصية المصرية نفسها. فهي لا تنتج مجرد طالب حصل على درجات بغير حق، وإنما تصنع وعياً مشوهاً وضميراً مرتبكاً وأجيالاً تتعلم منذ الصغر أن التحايل أقصر الطرق إلى النجاح.

تحليل نفسي واجتماعي للظاهرة

يضع الدكتور مهاب مجاهد، استشاري الطب النفسي وعضو مجلس الشيوخ، ظاهرة الغش تحت مجهر التحليل النفسي والاجتماعي، مؤكداً أن أخطر ما فيها ليس فقط ضياع مبدأ تكافؤ الفرص، وإنما الأثر العميق الذي تتركه داخل وجدان الطلاب. حيث تنقسم اللجان التي ينتشر فيها الغش إلى ثلاث فئات شديدة الخطورة على المجتمع.

الفئة الأولى: المنتفع

هذا الطالب الذي نجح في التحايل على القانون والنظام، وحصل على ما ليس من حقه، وربما اقتنص مكاناً دراسياً كان أولى به غيره. لكن الكارثة الحقيقية، كما يراها مجاهد، أن هذا الطالب يخرج من التجربة مقتنعاً بأن الذكاء الحقيقي ليس في الاجتهاد، بل في القدرة على الالتفاف على القواعد. وهنا تبدأ صناعة المجرم الأنيق أو صاحب الياقة البيضاء الذي يمارس الفساد لاحقاً بمهارة وهدوء ودون شعور بالذنب.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الفئة الثانية: المشاهد

الطالب الذي رأى الغش بعينيه، لكنه لم يجد منظومة تحميه أو تمنحه وسيلة آمنة للإبلاغ. لم يشعر أن القانون يقف بجواره، ولم يجد سوى كلمات يكتبها على مواقع التواصل الاجتماعي بلا ضمانات أو حماية. ومع الوقت، تتحول السلبية إلى جزء من تكوينه النفسي، ويتعلم أن الصمت هو الوسيلة الوحيدة للنجاة، وأن مواجهة الخطأ مغامرة غير مأمونة العواقب.

الفئة الثالثة: الناقم

وهي الفئة الأخطر بحسب مجاهد. ذلك الطالب الذي اجتهد وتعب، ثم شاهد حقه يُسرق أمام عينيه دون أن يستطيع أحد حمايته. يرى مجهوده يضيع، ويسمع من يطالبه بالصمت والتكيف مع الواقع. هذا الناقم قد يتحول إلى مشروع مهاجر فاقد للانتماء، أو إلى فريسة سهلة لكل من يتاجر بالغضب والكراهية ويستهدف استقرار الوطن، لأنه يحمل داخله شعوراً مبكراً بالظلم والانكسار.

الغش أزمة قيم وبناء إنسان

من هنا تبدو كلمات الدكتور مهاب مجاهد شديدة الدقة حين يؤكد أن الغش لم يعد أزمة تعليمية فقط، بل أزمة تمس بناء الإنسان المصري ذاته. فالأمم لا تُهزم فقط بالسلاح أو الاقتصاد، وإنما تُهزم حين يختل ميزان القيم داخلها، وحين يصبح النجاح منفصلاً عن الاستحقاق.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ويطرح السؤال الأكثر إيلاماً: كيف وصلنا إلى مرحلة يُبارك فيها بعض أفراد المجتمع الغش؟ وكيف تحول في نظر البعض من جريمة أخلاقية إلى شطارة أو مساعدة أو وقفة إنسانية مع الأبناء؟ كيف يطمئن مجتمع إلى طبيب نجح بالغش؟ وهل يؤتمن على أرواح المرضى من لم يحترم العلم ولا ضمير المهنة منذ البداية؟ وكيف نثق في مهندس حصل على شهادته بالتحايل، أو محامٍ لم يؤمن يوماً بالحق، أو قاضٍ عبر بوابة الغش ثم طُلب منه لاحقاً أن يقيم العدالة بين الناس؟

إن أخطر ما يفعله الغش أنه يهدم الثقة في الكفاءة، ويزرع الشك في قيمة كل شهادة وكل منصب، ويحوّل المجتمع تدريجياً إلى بيئة يشعر فيها المجتهد بالغبن، بينما يتصدر المتحايل المشهد.

حلول جذرية لمواجهة الأزمة

ولأن المشكلة عميقة، فإن مواجهتها تحتاج إلى ما هو أبعد من بيانات الإدانة والعقوبات الموسمية. وهنا يطرح الدكتور مهاب مجاهد محورين أساسيين للحل؛ أولهما إنشاء آلية احترافية وآمنة للإبلاغ عن حالات الغش، بحيث يجد الطالب وسيلة حقيقية لحماية النزاهة دون خوف أو تهديد، على أن يكون متلقي البلاغ مدرباً على الحفاظ على السرية والتعامل المهني مع الوقائع.

أما المحور الثاني فهو التغطية الكاملة للجان الامتحانات والممرات المؤدية إليها بكاميرات مراقبة، باعتبار أن التكنولوجيا أصبحت ضرورة لحماية العدالة التعليمية. ويطرح مجاهد تساؤلاً منطقياً: إذا كانت الدولة استطاعت توفير تابلت لكل طالب، فكيف تعجز عن توفير كاميرا لكل لجنة وممراتها؟

وإذا غابت هذه الإجراءات، فإن الأزمة تصبح أزمة إرادة وإدارة، لا أزمة إمكانيات. لكن العلاج الحقيقي لا يكتمل دون مواجهة الجذور الأعمق للأزمة؛ فالكثافات الطلابية المرتفعة، والهجرة الجماعية بين المدارس، وتضخم المناهج، وغياب الأنشطة، والحشو الذي أفقد الطلاب الرغبة في التعلم، كلها عوامل صنعت بيئة طاردة للفهم الحقيقي ودافعة نحو الحفظ والغش والبحث عن النجاة بأي وسيلة.

كما أن استعادة هيبة التعليم تتطلب إعادة الاعتبار للمعلم، وتطوير أساليب التقييم بحيث تقيس الفهم لا الحفظ، وتوسيع الأنشطة التي تبني الشخصية والثقة بالنفس، إلى جانب إطلاق حملات مجتمعية وإعلامية تعيد ترسيخ قيمة النزاهة والجدارة.

فالمعركة ضد الغش ليست معركة داخل لجان الامتحانات فقط، بل معركة على روح المجتمع نفسه. إما أن ننتصر لقيمة العدل والاستحقاق، أو نترك الأجيال تتعلم مبكراً أن الطريق إلى النجاح لا يمر عبر الاجتهاد، بل عبر التحايل والالتفاف على القانون. وحينها لن نخسر مجرد امتحان.. بل سنخسر معنى الدولة الحديثة نفسها.