الأخلاق معيار بقاء الأمم: القرآن الكريم يروي قصص الحضارات التي سقطت بفعل التخلي عن القيم
الأخلاق معيار بقاء الأمم: القرآن يروي سقوط الحضارات

الأخلاق معيار بقاء الأمم: دروس قرآنية من تاريخ الحضارات

في تأمل عميق لكتاب الله الحكيم، يتبين أن القرآن الكريم قد جعل من الأخلاق معيارًا حاسمًا لبقاء الأمم واستمرارها عبر العصور. فالحضارات القديمة والإمبراطوريات العظيمة التي شهدها التاريخ، تبدأ غالبًا صغيرة وضعيفة، لا تملك سوى الأخلاق والقيم النبيلة والسلام كأسلحة تحميها من تقلبات الزمن.

من الضعف إلى القوة: دور الأخلاق في بناء الإمبراطوريات

تلك الفضائل الإنسانية السامية هي التي تصوغ من الأمم الضعيفة إمبراطوريات قوية، يتمدد نفوذها تدريجيًا على الأرض، وتتوسع حضارتها في مختلف مجالات الحياة. ومع مرور الوقت، إذا طال بهذه الأمم التي تحولت إلى قوى عظمى، يصيبها داء الغرور والبطش والاغترار بالقوة، حيث تبدأ في اعتبار الأخلاق والمبادئ قيودًا تعيق حركتها نحو التمدد والتوسع.

وهذا المشهد ليس بغريب على عالمنا المعاصر، حيث نرى قوى عالمية مثل أمريكا والغرب الأوروبي يفرضون رؤيتهم وثقافتهم وسلوكهم على الآخرين، ليس لأنها رؤية إنسانية عالمية، بل لأنها ثقافة القوي الذي يسعى لفرض نمط حياته ومنطق تفكيره وفقًا لقانون القوة السائد.

سقوط الحضارات: عندما تتردى الأخلاق

وحين تسود شريعة الغاب، تتردى الأخلاق، وتتهاوى المبادئ، وتنهار المجتمعات من داخلها، مما يؤدي إلى سقوط تلك القوى التي تخلت عن الأخلاق وهي في ذروة قوتها وجبروتها. تسقط تلك الإمبراطوريات مهما بلغت من علو في العلم والمعرفة والتقدم الحضاري.

هذا ما أكده القرآن الكريم بقوله: "الأخلاق معيار بقاء الأمم"، وما نراه اليوم ليس جديدًا في تاريخ البشرية. فقد حكى لنا القرآن عن أخبار الأمم السابقة، مثل قوم عاد وثمود، الذين تخلوا عن الأخلاق رغم وصولهم إلى قمة العظمة والقوة المادية، مشابهين في ذلك قراصنة الغرب الأوروبي وأمريكا.

قوم عاد وثمود: أمثلة قرآنية على التخلف الأخلاقي

في إشارة إلى جبروت قوم عاد في عمرانهم وقوتهم المادية، قال الله سبحانه: "أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ" (الشعراء: 112). وعن قوتهم العسكرية، قال تعالى: "وَإِذَا بَطَشْتُمْ بطَشْتُمْ جَبَّارِينَ" (الشعراء: 130). وفي وصف استكبارهم، قال: "فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً" (فصلت: 15).

كما أشار القرآن إلى ذروة تقدم عاد في مختلف الميادين، فقال: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. اِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَاد". وفي وصف ذكاء عاد وثمود، قال تعالى: "وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَاد. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَاد" (الفجر: 6-11).

درس للإنسانية: العبرة من سقوط الحضارات

تلك الإشارات القرآنية لقوم عاد وثمود ومن سلك دربهم عبر التاريخ، تظهر أنهم كانوا عراة من الأخلاق والرحمة رغم تفوقهم العمراني والعسكري. فكم من أمم بلغت الذروة في التقدم والعلم والإعمار والقوة، ولكنها تجبرت وطغت وتهاوت أخلاقها، وكان ذلك إيذانًا بسقوطها وانهيار حضارتها إلى الأبد.

ليقف القرآن هنا بقصصه الرائع ليعلم الإنسانية الدرس، كما في قوله تعالى: "أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (الروم: 9). صدق الله العظيم.