هل ترتيب سور المصحف ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟ آراء العلماء في قضية إلهية
هل ترتيب سور المصحف ورد عن الرسول؟ آراء العلماء

هل ترتيب سور المصحف ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟ سؤال يطرح في شهر رمضان

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يبادر العديد من المسلمين إلى حفظ كتاب الله تعالى وتدبر آياته، مما يدفعهم للتساؤل حول ترتيب سور المصحف الشريف. هل هذا الترتيب ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، أم أنه اجتهاد من الصحابة الكرام؟ خلال هذا المقال، سنستعرض آراء العلماء في هذه القضية الهامة، مستندين إلى الأحاديث النبوية والآثار التاريخية.

أسماء السور في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم

تشير الأدلة إلى أن أسماء سور القرآن الكريم كانت معروفة ومشهورة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. فقد وردت أحاديث كثيرة تدل على تداول هذه التسميات بين الصحابة. على سبيل المثال، في المسند والسنن، روى ابن عباس قصة سأل فيها عثمان بن عفان عن سبب وضع سورتي الأنفال وبراءة في السبع الطوال دون كتابة البسملة بينهما. أجاب عثمان بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوجه كتاب الوحي بوضع الآيات في سور محددة، مما يشير إلى وجود ترتيب معين في حياته.

كما ورد في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر سورتي البقرة وآل عمران في أحاديث، مثل قوله: "يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران". بالإضافة إلى ذلك، هناك أحاديث أخرى تشير إلى قراءة سور محددة، كقصة حذيفة الذي صلى مع النبي وافتتح بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران. كل هذه النصوص تدعم فكرة أن أسماء السور وربما ترتيبها كان معروفًا في العهد النبوي.

اختلاف آراء العلماء في ترتيب السور

بخصوص ترتيب سور المصحف كما هو موجود اليوم، اختلف أهل العلم على رأيين رئيسيين. الرأي الأول، الذي يمثله جمهور العلماء، يقول إن الترتيب كان اجتهادًا من الصحابة، استوحوه من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذكره لبعض السور مرتبة، مثل قوله: "اقرءوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران". بينما الرأي الثاني، ذهب إليه جماعة من أهل العلم مثل ابن الأنباري، يؤكد أن الترتيب كان بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أوقفه جبريل على مواضع الآيات والسور، مما يجعل الترتيب إلهيًا.

يبدو أن الخلاف بين الفريقين قد يكون لفظيًا إلى حد ما، كما أشار الزركشي في كتابه البرهان، لأن القائلين بالاجتهاد يعترفون بأن الصحابة استندوا إلى توجيهات النبي. بل إن الإمام مالك، وهو من القائلين بالاجتهاد، ذكر أن الصحابة ألّفوا القرآن على أساس ما سمعوه من النبي. من ناحية أخرى، مال ابن عطية إلى رأي ثالث، يفيد بأن ترتيب الكثير من السور (مثل السبع الطوال) عُلم في حياة النبي، بينما فُوض ترتيب الباقي للأمة بعده.

إشكاليات ترتيب السور حسب النزول

أثار بعض الباحثين، مثل محمد عزة دروزة في كتاب "التفسير الحديث"، صعوبات في تحديد ترتيب نزول السور بدقة. حيث أشار إلى أن العديد من السور المكية والمدنية نزلت فصولها بشكل متقطع وغير متسلسل، مما يجعل ترتيبها حسب النزول أمرًا معقدًا. كما أن بعض فصول السور المتقدمة في الترتيب الحالي قد نزلت بعد فصول سور متأخرة، والعكس صحيح.

في كتاب "الإتقان"، ذكر السيوطي عدة ترتيبات لنزول السور منسوبة إلى علماء مثل جابر بن زيد وابن عباس، لكنها تبقى اجتهادات غير مؤكدة بشكل قاطع. هذا يؤكد أن ترتيب المصحف الحالي، سواء كان توقيفيًا أو اجتهاديًا، يحمل حكمة إلهية في تنظيمه، مما يسهل على المسلمين تلاوته وحفظه، خاصة في أوقات العبادة مثل شهر رمضان.