خصائص السور المكية وعددها في القرآن الكريم: دراسة شاملة
يُعد القرآن الكريم، الذي يشتمل على مئة وأربع عشرة سورة، المصدر الأساسي للتشريع الإسلامي، حيث تنقسم سوره إلى سور مكية وسور مدنية. فالسور المكية نزلت على الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة قبل الهجرة، بينما السور المدنية نزلت في المدينة المنورة بعد الهجرة. ومن المعروف أن الله تعالى أنزل القرآن مفرقًا على مدى ثلاث وعشرين سنة تقريبًا، وذلك حسب الوقائع والأحداث والأسباب التي اقتضت ذلك.
عدد السور المكية في القرآن الكريم
ذكر الإمام السيوطي أن عدد السور المكية المتفق عليها يبلغ 82 سورة في القرآن الكريم. ومن بين هذه السور: سورة الكهف، والإسراء، ويونس، والأنعام، والأعراف، والشعراء، والشورى، والسجدة، ومريم، والنمل، والفرقان، والصافات، ولقمان، والدخان، والانشقاق، وفصلت، والواقعة، والانفطار، والتكوير، والإنسان، ويس، والجن، والقيامة، وهود، ويوسف، والقصص، والبروج، والقارعة، والنازعات، والطارق، وطه، والنبأ، والليل، والشمس، ونوح، والمزمل، والأحقاف، والتين، والانشراح، والعلق، والعصر، والفيل، وقريش، والماعون، والكوثر، والكافرون، وسبأ، والمسد، والملك، والقلم.
بينما أشار الإمام السيوطي إلى أن عدد السور التي تعددت آراء العلماء بين جعلها مدنية أو مكية يبلغ 12 سورة، وهي: الفاتحة، والقدر، والرحمن، والصف، والرعد، والإخلاص، والتغابن، والناس، والفلق، والمطففين، والزلزلة، والبيّنة.
الفرق بين السور المكية والسور المدنية
تتميز السور المكية بتركيزها على ذكر الثواب والعقاب والجنة والنار، بالإضافة إلى بعض قصص الأنبياء. في المقابل، تركز السور المدنية على التشريعات وكيفية تنظيم أمور المسلمين، مع بيان الأحكام الشرعية. ومن الضروري الإلمام بهذا التقسيم لفهم سياق النزول وتطور الدعوة الإسلامية، حيث بدأت المرحلة المكية بعد البعثة وانتهت بنهاية المرحلة المدنية بوفاة الرسول عليه الصلاة والسلام.
خصائص السور المكية الرئيسية
تتسم السور المكية بعدة خصائص مميزة، نذكر منها:
- نزولها قبل الهجرة النبوية.
- بداية أغلبها بحروف مقطعة مثل "ألم" و"حم" و"ألر".
- كثرة السجدات فيها.
- احتواءها على لفظ "كلا".
- تركيزها على الدعوة إلى عبادة الله تعالى وحده والتوحيد الخالص.
- الحديث المتكرر عن الإيمان بالبعث والحساب والجنة والنار.
- تحذيرها من الشرك بالله تعالى.
- تناولها قصص الأنبياء وبعض قصص الأمم السابقة، باستثناء سورة البقرة.
- قصر آياتها نسبيًا مع عبارات وألفاظ موجزة.
- اعتبار كل سورة ذكرت فيها قصة إبليس وآدم مكية، ما عدا سورة البقرة.
- اعتبار كل سورة ورد فيها "يا أيها الناس" مكية، باستثناء سورة الحج التي تضمنت أيضًا "يا أيها الذين آمنوا".
- مجادلة وتفضيح أفعال المشركين والكفار، مثل سفك الدماء بغير حق وأكل الربا وشرب الخمر ووأد البنات.
- احتواءها على سجدات التلاوة، باستثناء سورة الحج.
رأي العلماء في التمييز بين المكي والمدني
ذكر الإمام الزركشي في كتابه "البرهان في علوم القرآن" اختلاف العلماء في تحديد السور المكية والمدنية، حيث قال: "اعلم أن للناس في ذلك ثلاثة اصطلاحات: أحدها: أن المكي ما نزل بمكة، والمدني ما نزل بالمدينة. والثاني، وهو المشهور: أن المكي ما نزل قبل الهجرة، وإن كان بالمدينة، والمدني ما نزل بعد الهجرة، وإن كان بمكة. والثالث: أن المكي ما وقع خطابًا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابًا لأهل المدينة."
وأضاف الزركشي أن ابن مسعود روى: "كل شيء نزل فيه: 'يا أيها الناس'، فهو بمكة، وكل شيء نزل فيه: 'يا أيها الذين آمنوا'، فهو بالمدينة." لكنه أشار إلى أن هذا القول ليس مطلقًا، حيث توجد استثناءات مثل سورة البقرة والنساء المدنيتين اللتين تضمنتا "يا أيها الناس"، وسورة الحج المكية التي تضمنت "يا أيها الذين آمنوا".
علامات التمييز بين السور المكية والمدنية
ذكر الزركشي أيضًا علامات تساعد في تمييز السور المكية عن المدنية، منها:
- كل سورة فيها "يا أيها الناس" وليس فيها "يا أيها الذين آمنوا" فهي مكية، مع اختلاف في سورة الحج.
- كل سورة فيها "كلا" فهي مكية.
- كل سورة أولها حروف المعجم فهي مكية، باستثناء البقرة وآل عمران، مع خلاف في سورة الرعد.
- كل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهي مكية، سوى البقرة.
- كل سورة فيها ذكر المنافقين فمدنية، سوى العنكبوت.
كما نقل عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي قوله: "كل سورة ذكرت فيها الحدود والفرائض فهي مدنية، وكل ما كان فيه ذكر القرون الماضية فهي مكية."
في الختام، يبقى فهم خصائص السور المكية وعددها أمرًا أساسيًا لفهم تطور الدعوة الإسلامية ومراحل نزول القرآن الكريم، مما يسهم في تفسير آياته وتطبيق أحكامه بشكل صحيح.
