رحلة حماية القرآن الكريم من التحريف: كيف تحرس لجنة الأزهر المصحف منذ القرن التاسع عشر؟
تمتد جذور حماية المصحف الشريف من التحريف إلى القرن التاسع عشر الميلادي، حيث تشير جريدة الوقائع المصرية إلى أن الوالي محمد سعيد باشا أمر بإصلاح المصاحف المطبوعة في عهد والده محمد علي عام 1832، بعد اكتشاف أخطاء فيها. كانت هذه اللحظة التاريخية بمثابة اللبنة الأولى للاهتمام الرسمي بمراجعة المصحف، رغم عدم تشكيل لجنة رسمية في ذلك الوقت.
بدايات التأسيس والخلاف حول الرسم
في تلك الفترة المبكرة، كانت المصاحف المنسوخة أو المطبوعة بطريقة الطباعة الحجرية تُعرض على شيخ المقارئ المصرية لإقرارها. ومع نهاية القرن التاسع عشر، برز خلاف حول مذهب الرسم المُتبع في كتابة آيات القرآن، حيث انقسم العلماء إلى فريقين:
- فريق التزم الرسم العثماني، وتحديداً مذهب أبي داود (كما في مصحف المخللاتي ومصحف عبد الخالق حقي).
- فريق آخر دعا إلى استخدام الرسم الإملائي أو الاصطلاحي.
انتهى هذا الخلاف التاريخي باعتماد الرسم العثماني رسمياً في كتابة آيات القرآن الكريم، مما وضع أساساً موحداً لطباعة المصاحف.
التأسيس الرسمي للجنة مراجعة المصحف
في سبتمبر 1907، شرعت الحكومة المصرية في طباعة القرآن الكريم، حيث تم الاتفاق على أن تقوم مشيخة الأزهر بإعداد المخطوطات وتصويب البروفات. وبناءً على طلب جامعة الأزهر، دفعت وزارة الأشغال العمومية مكافأة قدرها 60 جنيهاً لثلاثة شيوخ في ديسمبر 1907، وهم:
- الشيخ محمد بيومي.
- الشيخ محمد الحمداني.
- الشيخ محمد علي خلف الحسيني (شيخ عموم القراء بالأزهر).
في 16 نوفمبر 1910، اكتملت البروفات الأولية وأرسلت إلى الأزهر للمراجعة. استمر العمل من 1910 إلى 1914 لمراجعة 287 صفحة فقط، بسبب وفاة اثنين من المشايخ المكلفين. فقررت الوزارة إسناد المهمة لموظفين مؤهلين، منهم المرحوم حفني بك ناصف (المفتش الأول للغة العربية) والشيخ مصطفى العناني والشيخ أحمد الإسكندراني من كلية دار العلوم.
تطور اللجنة وأسماء بارزة في رئاستها
مع انتشار حركة طباعة المصحف، أصبح وجود لجنة دائمة أمراً ضرورياً لحماية القرآن من التحريف. أسندت رئاسة اللجنة لشيخ عموم القراء حتى عهد الشيخ محمد الضباع (توفي 1956)، ثم انتقلت إلى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر. وضعت اللجنة علامات الضبط واصطلاحاته في صورة نهائية، مع وضعها في آخر كل مصحف للرجوع إليها.
توالى على رئاسة لجنة حفظ المصحف الشريف أسماء كبيرة في علوم القرآن، مثل:
- الشيخ عبد الفتاح الضباع.
- الشيخ محمود خليل الحصري.
- الشيخ محمود طنطاوي.
كان لهؤلاء العلماء دور محوري في مراجعة المصاحف الشريفة وضمان دقتها.
آلية عمل لجنة مراجعة المصحف في العصر الحديث
أكد الدكتور عبد الكريم عوض صالح، رئيس لجنة مراجعة واعتماد المصحف، أن الأزهر الشريف يولي هذه المهمة اهتماماً خاصاً عبر لجنة تضم علماء متخصصين في علوم القرآن. عملية المراجعة تتم وفق ضوابط محددة، وقد تصل إلى 10 مرات للنسخة الواحدة للتأكد من خلوها من الأخطاء.
تشمل المراجعة جميع أشكال المصحف:
- النسخ المطبوعة.
- النسخ المسموعة (كاسيت، أسطوانات، هواتف محمولة).
- التطبيقات الرقمية.
تستقبل اللجنة طلبات المراجعة من كافة الدول العربية والإسلامية، حيث لا تعتمد معظم دول العالم إلا مراجعة لجنة الأزهر الشريف.
مراحل المراجعة والإجراءات التفصيلية
تبدأ عملية المراجعة بتسديد رسوم قدرها 5 آلاف جنيه في خزينة الأزهر، ثم تمر بمرحلتين رئيسيتين:
المرحلة الأولى: مراجعة تجارب الطباعة
- مراجعة النص القرآني للتأكد من سلامته.
- مراجعة الرسم وموافقته للرسم العثماني.
- مراجعة الضبط والتشكيل وأحكام التجويد والقراءات المتواترة.
في حالة وجود أخطاء، تضع اللجنة ملاحظات في الهامش وتدون تقريراً مفصلاً، ثم تعيد المصحف لدار النشر للتصويب.
المرحلة الثانية: مراجعة ما بعد الطباعة
- مراجعة النسخ بعد الطباعة والجمع للتأكد من عدم وجود أخطاء فنية أو مطبعية.
- مراجعة جودة الورق والغلاف لتناسب قدسية المصحف.
- منح تصريح بالتداول بعد التأكد من الدقة العالية.
التحديات والعقوبات
أشار رئيس اللجنة إلى أن الأخطاء الشائعة غالباً ما تكون نتيجة أخطاء مطبعية، مثل وضع ملزمة مكان أخرى أو زيادة في الحبر. في حالة عدم التزام دور النشر بتصحيح الأخطاء، يحق للجنة مخاطبتهم عبر الضبطية القضائية لاتخاذ إجراء قانوني، قد يصل إلى السجن إذا ثبت أن الخطأ مقصود.
من القواعد المطبقة عند اكتشاف أخطاء:
- وجود كلمة زائدة أو عناصر غير موجودة في النسخ الأصلية.
- التلاعب في بيانات التصريح أو الطباعة بدون تصريح.
- وضع تصريح يخص مصحف آخر على النسخ.
معالجة النسخ المعيبة والتعاون الأمني
تقوم اللجنة بمراجعة المصاحف بمختلف الروايات، وإن كانت رواية حفص عن عاصم هي الأكثر انتشاراً في النسخ المصرية. في حالة اكتشاف أخطاء في نسخ موجودة بالسوق، يتم إبادتها عن طريق الحرق، كما توصي اللجنة بإيقاف عمل دور النشر إذا تكررت الأخطاء.
أكد الدكتور عبد الكريم أن الفترة التي أعقبت ثورة 25 يناير شهدت حالة من الفوضى، حيث انتشرت مطابع بير السلم التي كانت تنسخ المصحف دون مراجعة. لكن اللجنة نجحت في التصدي لهذه الفوضى عبر التعاون مع قوات الأمن والجهات المسؤولة، مما ضمن استمرار حماية القرآن الكريم من أي تحريف أو تلاعب.



