العيش المقطع: وجبة الإفطار التراثية التي لا غنى عنها في عيد الفطر بمطروح
تحت سماء الصحراء الصافية، وبين نسمات البحر المتوسط التي تعانق رمال الغرب، يحتفل أهالي محافظة مطروح بعيد الفطر بطقوس خاصة تحمل عبق التراث وروح البداوة الأصيلة. لا تقتصر مظاهر العيد هنا على الزيارات والتهاني فقط، بل تمتد لتشمل موائد عامرة بأكلات مميزة تعكس هوية المكان وتاريخه العريق.
اختلاف مظاهر العيد بين المحافظات
تختلف مظاهر الاحتفال بعيد الفطر من محافظة إلى أخرى، بل ومن قرية إلى أخرى داخل المحافظة الواحدة. إلا أن محافظة مطروح تظل لها بصمتها الخاصة، خاصة في الأطعمة التي يحرص البدو على إعدادها خلال أيام العيد. هذه الأطباق توارثوها عبر الأجيال، لتصبح جزءًا لا يتجزأ من فرحة العيد وروحانياته.
"العيش المقطع" يتصدر مائدة الإفطار
وتتصدر أطباق "العيش المقطع" مائدة الإفطار لدى بدو مطروح خلال أيام عيد الفطر المبارك. يُعد هذا الطبق من أشهر وأهم الوجبات التقليدية التي لا يمكن الاستغناء عنها في هذه المناسبة.
طريقة التحضير التقليدية
يتم تحضير العيش المقطع من دقيق يُعجن بالماء والملح، ثم يُفرد ويُقطع إلى أجزاء صغيرة. تُضاف كميات وفيرة من الدقيق بين طبقاته، قبل أن يُطهى على النار ويُخلط باللبن. يُقدم الطبق مع العسل الأسود والسمن البلدي، مما يمنحه مذاقًا غنيًا ومميزًا يفتح الشهية.
عيد العيش وسبب التسمية
يقول الدكتور حمد خالد شعيب، الباحث في التراث اليدوي: "عيد الفطر يطلق عليه في باديتنا وشرق ليبيا وجنوب تونس، وفي غالبية مناطق الصحراويين، عيد العيش." وأضاف أن سبب هذه التسمية يعود إلى تمييزه بالطعام الذي يُقدم فيه، وهو العيش المقطع، وكذلك للإعلان عن بدء تناول العيش والانتهاء من شهر الصوم.
أعياد وأكلات مرتبطة بالتراث
وأشار الدكتور شعيب إلى وجود عيدين للمسلمين، حيث توافق القوم على تسمية عيد الأضحى بعيد اللحم، وعيد الفطر بعيد العيش. كما يوجد عيد شعبي استثنائي يُحتفل به بمولد الهدى صلى الله عليه وسلم، يُطلق عليه عيد العصيدة، حيث تصنع الأمهات العصيدة فجر ذكرى ميلاد الحبيب، وكأنهن يستقبلن مولودًا جديدًا.
اجتماع العائلات على مائدة الإفطار
وأكد الباحث أن العيش المقطع يُصنع من الدقيق بعد عجنه وفرده، ثم يُلف ويُقطع بسكين حاد ليصبح شبيهًا للمكرونة (الإسباجيتي). يُضاف عليه الحليب أو الحساء، ويُقدم معه الرُب بالسمن المُحلى. وقال: "لا تزال أمهاتنا في البادية يُحافظن على هذه السنة، ولا يزلن يدعمن اللمة والاجتماع من خلال ما يُطلقن عليه المَده، أي يُمد الطعام ويُقدم في بيت الكبير، سواء كان كبير النجع أو الحي أو القبيلة والعائلة."
وأضاف: "ما أن يخرج الرجال للصلاة حتى تُسرع النسوة لتجهيز المائدة في مربوعة الكبير. يعود الرجال من صلاة العيد فلا يعرف أحدهم من أي طبق أكل، لتعم الألفة والمودة والحب، ويُغني الصغار."
وجبة إفطار أساسية في التراث البدوي
قال إبراهيم يونس من أهالي مطروح: "نحن كبدو مطروح، لو ما فطرناش عيش عرب يوم العيد، يبقى ما عيدناش." وأوضح أن الطبق عبارة عن عجين مطبوخ في اللبن، يُضاف إليه السمن أو الزبدة، مما يجعله وجبة تراثية غنية بالطعم والقيمة الغذائية.
وجبة تراثية توارثتها الأجيال
وأوضح يونس أن العيش المقطع وجبة تراثية تُقدم صباح عيد الفطر، مضيفًا: "ورثناه عن أجدادنا من زمن قديم، حيث قدم أجدادنا مهاجرين من برقة واستوطنوا مصر إلى اليوم، واندمجوا مع السكان الأصليين. غير أنهم فرضوا هذه الأكلة فرضًا اجتماعيًا، لاقت استحسان بعض العائلات المصرية الأصل، فصاروا يقلدونهم في عملها يوم عيد الفطر، وأخذت مسمى جديدًا وهو 'أكلة عيش العرب'."
هكذا يظل العيش المقطع رمزًا للتراث والهوية في مطروح، يجمع العائلات حول مائدة واحدة، ويحفظ ذكريات الأجداد حية في قلوب الأبناء.



