سؤال يكثر البحث عنه: ما المقصود بقوله تعالى: «وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ»؟ ما معنى سيئة هنا؟ ورد في شأن تفسيرها العديد من الأقوال. يقول الله تعالى: «أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78)».
تفسير قوله تعالى: «وإن تصبهم سيئة»
جاء في بيانها قول الإمام القرطبي، إن هناك أربع مسائل في هذه الآية:
المسألة الأولى: معنى البروج المشيدة
قوله تعالى: «أينما تكونوا يدرككم الموت» شرط ومجازاة، وهذا الخطاب عام وإن كان المراد المنافقين أو ضعفة المؤمنين. قال ابن عباس: البروج هي الحصون والقلاع. ومعنى مشيدة: مطولة، وقيل: مزينة بالشيد وهو الجص. وقال السدي: المراد بروج السماء الدنيا المبنية.
المسألة الثانية: الرد على القدرية في الآجال
هذه الآية ترد على القدرية في الآجال، لقوله تعالى: «أينما تكونوا يدرككم الموت»، فعرفهم أن الآجال متى انقضت فلا بد من مفارقة الروح الجسد.
المسألة الثالثة: اتخاذ البلاد وبناؤها للتمنع
اتخاذ البلاد وبناؤها ليمتنع بها في حفظ الأموال والنفوس، وهي سنة الله في عباده. وقد اتخذها الأنبياء.
المسألة الرابعة: بروج السماء
على قول مالك والسدي، فبروج الفلك اثنا عشر برجا مشيدة من الرفع، وهي الكواكب العظام، جعلها الله منازل للشمس والقمر.
معنى الحسنة والسيئة في الآية
قيل: الحسنة: السلامة والأمن، والسيئة: الأمراض والخوف. وقيل: الحسنة: الغنى، والسيئة: الفقر. وقيل: الحسنة: النعمة والفتح والغنيمة يوم بدر، والسيئة: البلية والشدة والقتل يوم أحد. وقيل: الحسنة: السراء، والسيئة: الضراء. هذه أقوال المفسرين في الآية، وأنها نزلت في اليهود والمنافقين.
هل هناك شر محض؟
أجاب الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء، عن سؤال هل هناك شر محض؟ فقال: عقيدة المسلم أن الله سبحانه وتعالى خلق الخير والشر جميعا؛ ولذلك فإن الخير من خلق الله والشر من خلق الله أيضا. ودائما يرى المسلم حكمة الله في أفعاله؛ فيراها في خلقه للخير ويراها في خلقه للشر. فعندما يرى الشر لا تعميه هذه الرؤية عن رؤية الخير الذي قد يكون مختلطا معه، أو يكون في نهاية طريقه، أو يكون ناتجا عنه. فكأنه ليس هناك شر محض، ولو كان هناك شر محض لاستهجنه ورفضه جميع الخلق؛ لأن الشر المحض ضد الفطرة.
واستشهد بقوله تعالى: «قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ»، وبقوله: «وإن تُصِبهم حَسَنةٌ يَقُولُوا هذه مِن عندِ اللهِ وإن تُصِبهم سَيِّئةٌ يَقُولُوا هذه مِن عندِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عندِ اللهِ». وأضاف: الرؤية المتأنية نراها في سورة النور، حيث قال ربنا: «إنَّ الذين جاءُوا بالإفكِ عُصبةٌ مِنكم لا تَحسَبُوه شَرًّا لكم بل هو خَيرٌ لكم»، فالإفك الذي صدر من بعض المخطئين علمنا الله كيف نرى فيه الخير. وهناك معنى آخر وهو ألا يكون الأمر شرا أصلا، بل هو في نفسه خير ولكن تقييمنا هو الذي اختلف، وفيه يقول ربنا: «وعَسى أَن تَكرَهُوا شَيئًا وهو خَيرٌ لكم وعَسى أَن تُحِبُّوا شَيئًا وهو شَرٌّ لكم واللهُ يَعلَمُ وأنتم لا تَعلَمُونَ».
وشدد على أن الله تعالى يعلمنا العدل في الوصف والحكم، فيقول: «لا خَيرَ في كَثِيرٍ مِن نَجواهم إلاّ مَن أَمَرَ بصَدَقةٍ أو مَعرُوفٍ أو إصلاحٍ بينَ النّاسِ»، ويقول: «ولا يَجرِمَنَّكم شَنَآنُ قَومٍ على أَلاّ تَعدِلُوا اعدِلُوا هو أَقرَبُ للتَّقوى».



