تجميد المشاعر: رحلة من الألم إلى الصلابة العاطفية
تجميد المشاعر: رحلة من الألم إلى الصلابة العاطفية

في علم الفيزياء، يُعرف التجميد بأنه تحول المادة من الحالة السائلة إلى الحالة الصلبة. ولكن في عالم المشاعر الإنسانية، هناك حالة مشابهة تُعرف بـ"تجميد المشاعر"، حيث تتحول المشاعر الحية إلى حالة من الجمود العاطفي، تختلف صورها وأسبابها، لكنها تنتهي جميعاً إلى مرحلة التجميد الشعوري.

كيف ومتى يصل البشر إلى تجميد المشاعر؟

يشرح العلماء أن تجميد المشاعر قد يكون طواعية أو كرهاً. فبعض الأشخاص، بسبب كثرة ما تعرضوا له من أزمات ومصائب، يصبحون متجمدين شعورياً، لا يكترثون لأي شيء مهما كانت شدته. تحدثهم عن انهيار الأخلاق لا يبالون، تكلمهم عن الجار المصاب أو الابن العاق أو الابنة المنفلتة، لا يسألون عن القصة أو أصولها، بل يسمعون فقط دون أي انفعال أو دهشة، ليصلوا إلى مرحلة "كله زي بعضه". هذا النوع من البشر يصنع لنفسه حالة من التجميد لحماية نفسه من الوقوع في المزيد من المشاكل وتحمل المزيد من الآلام.

حالات أخرى من التجميد العاطفي

هناك حالات أخرى تصنع لنفسها طوق نجاة بالدخول في عالم المشاعر المتجمدة، خوفاً من أن تصبح مثل أمها التي تراها كل يوم تُهان وتمتهن كرامتها، وهي تتحمل من أجل استقرار البيت وحماية الأبناء من تبعات انفصال الوالدين، على حد زعم الأم التي تجعل أبناءها الخارجين من منزل كهذا غير أسوياء نفسياً، بل قنابل موقوتة من الألم والمعاناة. وبالمثل، هناك فئة من الأبناء تدخل طواعية في عالم الأشخاص المتجمدة مشاعرهم، لأنهم عاشوا مع أب يفعل كل ما في وسعه ولا يلقى من زوجته إلا ردود الفعل السلبية، وعبارات الإحباط والتقليل من شأنه، ومقارنته بالجيران والأصدقاء وحتى إخوته، وتذكيره دوماً بأنه الأقل والأدنى. هؤلاء الأبناء يرمون أنفسهم في عالم المشاعر المتجمدة هرباً من تكرار تجربة آبائهم المظلومين كما يرونها.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

التجميد القسري للمشاعر

بين هذه الحالات، هناك من يُجبر جبراً على تحويل مشاعره إلى كتلة صماء، كمحاولة منه لتجاهل ونسيان ما حدث له من أقرب الناس إليه. تلك الزوجة التي أفنت عمرها من أجل سعادة زوجها وأعطت بلا حدود، وحين بلغ بها الكبر تركها ولحق بأخرى شابة، علها تهب له ما لم تعد تعطيه إياه الزوجة المكلومة. لم تجد هذه الزوجة سبيلاً لحماية نفسها من نفسها ومن نظرات الآخرين، سوى أن تضغط على زر المشاعر وتوهم نفسها بأنها تغيرت وأصبحت بلا شعور، وأسقطت كل ما مضى في بئر النسيان وفي بحر الزمان القادر وحده على تخدير ذكرياتها والعبور بها إلى بر في باطنه الأمان وفي ظاهره عذاب العيش بين الذكرى والواقع الحزين.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

تجميد المشاعر ظاهرة جماعية

تجميد المشاعر ليس حالة فردية ولا ظاهرة اجتماعية فحسب، بل قد ترقى لتصبح حالة شعب أو بلد أو قرية أو منطقة. ففي التاريخ حكايات وقصص عن محو ذاكرة أمة ذاقت العذاب والألم من جراء حرب أو خيانة أو ظاهرة طبيعية. ومن أجل أن تعود هذه الأمة أو المنطقة أو القرية إلى حالة العيش والعودة إلى الحياة، كان على أهل الخبرة أن يقوموا بعمل يشبه التنويم المغناطيسي لأبناء هذه المناطق وممن نجوا من الكرب العظيم، حتى يزيلوا هذه الحادثة من ذاكرتهم ويتعافوا ويضعوا أقدامهم على الدرب الصحيح والسليم.

تجميد المشاعر يعد بمثابة حالة تجنيد لخلايا الشعور في البشر المصابين، حتى يصبحوا دوماً في حالة استنفار واستعداد لمواجهة لئام البشرية وسارقي السعادة ولصوص القلوب. إنها آلية دفاعية معقدة، قد تكون ضرورية للبقاء في بعض الأحيان، لكنها تحمل في طياتها ثمناً باهظاً من فقدان المتعة والقدرة على التواصل العاطفي الحقيقي.