تواجه الأمهات العاملات في القطاع الخاص المصري تمييزًا منهجيًا يعرف بـ«عقوبة الأمومة»، حيث يُستبعدن من فرص التوظيف والترقية والتدريب، ويُعانين من تخفيض الأجور وبيئات عمل غير داعمة، وفقًا لتحقيق ميداني شمل مقابلات مع موظفات ومسؤولين.
قصص واقعية عن التمييز
تعمل «نورا» كمترجمة منذ عشر سنوات، وتولت إدارة فريق صغير في مؤسسة خاصة، لكن بعد إنجاب طفلها الأول، بدأت تتلقى تلميحات بأنها لم تعد مؤهلة للإدارة، وسُحب منها فريقها وأُعيدت كفرد براتب أقل بعد أقل من شهر من عودتها من إجازة الوضع.
أما «أمل»، فعملت في مصنع ملابس جاهزة دون عقد عمل أو تأمين، وبعد زواجها وإنجابها طلبت إجازة إضافية بعد شهر من الولادة، فتم الاستغناء عنها، وكان أجرها 3500 جنيه شهريًا، أي أقل من الحد الأدنى للأجور البالغ 6000 جنيه في 2024.
سياسات توظيف تمييزية
يكشف التحقيق أن بعض مؤسسات القطاع الخاص تفضل توظيف الرجال حتى لو كانوا أقل كفاءة، بحجة أنهم أكثر مرونة في العمل لساعات متأخرة، بينما تُستبعد النساء المتزوجات والأمهات. ويقول «علي»، مسؤول توظيف في شركة إلكترونيات كبرى، إن السياسة الداخلية غير المعلنة تعطي الأولوية للرجال، وتوظف النساء فقط في أقسام المنتجات النسائية، على أن يكن «آنسات» غير مرتبطات بخطبة، وبأجور أقل.
ويضيف أن المؤسسة لا تمنح عقود عمل للنساء، بدعوى أنهن يتسرّبن عند الزواج أو الإنجاب، ولا توفر حضانات لأطفال الموظفات، معتبرًا أن النساء والأمهات «خسائر محتملة».
أبعاد اقتصادية ونفسية
بحسب المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن «عقوبة الأمومة» مسؤولة عن 80% من فجوة الأجور بين الجنسين عالميًا. وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى أن النساء يمثلن 21% فقط من المشتغلين في مصر، مقابل 79% للرجال، وتبلغ نسبة البطالة بين النساء 15.3% مقابل 3.7% للرجال.
وتتحمل النساء الجزء الأكبر من العمل غير المدفوع، حيث تعمل 25% من النساء في المشروعات الأسرية دون أجر، مقابل 3% من الرجال. كما أن 5% فقط من النساء يملكن مسكنًا، وأقل من 2% يملكن أرضًا.
تأثيرات نفسية خطيرة
تؤكد الدكتورة نهال زين، أخصائية الطب النفسي، أن الضغوط الناتجة عن التمييز تؤدي إلى اضطراب القلق والاكتئاب والشعور بالذنب، وقد تصل إلى «الاحتراق النفسي» بسبب محاولات الأمهات إثبات كفاءتهن في العمل والمنزل.
وتضيف: «شعور النساء بالإحباط بعد محاولات فاشلة للحصول على العمل يدفعهن للتوقف عن البحث، مما يضعف مشاركتهن في سوق العمل».
القانون بين النص والواقع
ينص قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 على حقوق واضحة للأمهات، منها إجازة وضع مدفوعة الأجر لمدة 4 أشهر، وتخفيض ساعات العمل للحامل، وفترات رضاعة، وحماية من الفصل أثناء الإجازة وبعد العودة. كما تلزم المادة 60 أصحاب العمل الذين يستخدمون 100 عاملة فأكثر بإنشاء حضانة أو التعاقد مع إحداها.
لكن حملات التفتيش التي أجرتها وزارة العمل في أكتوبر 2025 على 6192 منشأة كشفت أن 38% منها لم تلتزم بتحرير عقود عمل قانونية، و30% لم تطبق الحد الأدنى للأجور.
مطالب بحلول عملية
ترى المحامية انتصار السعيد أن المشكلة تكمن في ضعف التنفيذ والرقابة، وعمل نسبة كبيرة من النساء في القطاع غير الرسمي دون عقود، مما يصعب إثبات علاقة العمل. وتدعو إلى تفعيل الحوار المجتمعي بين وزارة العمل وأصحاب الأعمال، وتقديم حوافز للمؤسسات الملتزمة، وزيادة حملات التفتيش، وتوفير حضانات بأسعار مناسبة تراعي مواعيد عمل الأمهات.



