عند انطلاق منافسات كأس العالم، تتجه الأنظار إلى أعلام الدول وتشتعل المنافسة بين المنتخبات في مشهد يبدو تجسيداً خالصاً للهوية الوطنية. لكن خلف هذا المشهد التقليدي تختبئ حقيقة أكثر تعقيداً؛ فالكثير من نجوم البطولة ولدوا خارج البلدان التي يمثلونها، أو ينحدرون من عائلات هاجرت قبل سنوات، ليصبحوا جزءاً أساسياً من نجاح منتخباتهم.
تجربة رقمية تكشف الوجه الآخر للمونديال
تحولت هذه الفكرة إلى تجربة رقمية مثيرة، حاولت الإجابة عن سؤال غير مألوف: كيف ستبدو بطولة كأس العالم إذا اختفى جميع اللاعبين المولودين خارج أوطانهم أو المنحدرين من أصول مهاجرة؟ النتائج كانت مفاجئة؛ إذ فقدت فرنسا مكانتها كأقوى منتخب في العالم، بينما اعتلت إسبانيا الصدارة، في حين كان المغرب من أكبر المتضررين، بينما حافظت البرازيل والأرجنتين على مكانتهما تقريباً دون تغييرات كبيرة.
عامل الهجرة: أداة لقياس الأثر الحقيقي
واعتمدت التجربة على أداة تُعرف باسم "عامل الهجرة"، وهي مشروع يحاول قياس الأثر الحقيقي للهجرة في قوة المنتخبات المشاركة في كأس العالم، وذلك حسبما أفادت صحيفة "ماركا" الإسبانية. وتقوم الفكرة على احتساب متوسط تقييم جميع لاعبي كل منتخب، وليس التشكيلة الأساسية فقط، ثم إعادة احتساب القوة بعد استبعاد كل لاعب وُلد خارج البلد الذي يمثله أو كان من أبناء المهاجرين.
وفي المقابل، يُعاد هؤلاء اللاعبون افتراضياً إلى بلدانهم الأصلية، إذا كانت مشاركة في البطولة، بينما تُعوَّض المنتخبات الأخرى بلاعبين أقل تقييماً عند الحاجة. ولا تهدف هذه التجربة إلى تقديم توقعات لنتائج كأس العالم أو إصدار أحكام نهائية، بل إلى تقديم تصور رقمي يوضح مدى مساهمة الهجرة في تشكيل قوة المنتخبات الوطنية خلال النسخة الحالية من البطولة.
فرنسا: من الصدارة إلى التراجع
كانت فرنسا الأكثر تضرراً من هذه التجربة الافتراضية. فالمنتخب الفرنسي يعتمد بشكل كبير على لاعبين من أصول مهاجرة، مثل كيليان مبابي (الذي ينحدر من أصول كاميرونية وجزائرية) وأوريلين تشواميني (من أصول كاميرونية) وغيرهم. وباستبعاد هؤلاء اللاعبين، تراجعت قوة المنتخب الفرنسي بشكل حاد، لتخسر مكانتها كأقوى منتخب في العالم لصالح إسبانيا.
المغرب: انهيار شبه كامل
أما المغرب فكان من أكبر المتضررين، حيث يعتمد المنتخب المغربي بشكل كبير على لاعبين مولودين في الخارج، خاصة في أوروبا، مثل أشرف حكيمي (المولود في إسبانيا) ونصير مزراوي (المولود في هولندا) وحكيم زياش (المولود في هولندا). وباستبعاد هؤلاء اللاعبين، انهارت قوة المنتخب المغربي بشكل شبه كامل، مما يعكس الاعتماد الكبير على الجالية المغربية في الخارج.
إسبانيا: الصعود إلى القمة
في المقابل، صعدت إسبانيا إلى صدارة التصنيف بعد استبعاد اللاعبين المهاجرين، حيث يعتمد المنتخب الإسباني بشكل أكبر على لاعبين مولودين داخل البلاد. وهذا يعكس قوة البنية التحتية الكروية في إسبانيا، وقدرتها على إنتاج مواهب محلية.
البرازيل والأرجنتين: ثبات نسبي
بينما حافظت البرازيل والأرجنتين على مكانتهما تقريباً دون تغييرات كبيرة، حيث يعتمد كلا المنتخبين بشكل أساسي على لاعبين مولودين داخل البلاد، رغم وجود بعض اللاعبين من أصول مهاجرة. وهذا يعكس عمق المواهب الكروية في هذين البلدين.
تأثير الهجرة على كرة القدم الحديثة
هذه النتائج تعكس التأثير العميق للهجرة في تشكيل موازين القوى داخل كرة القدم الحديثة. فالهجرة لم تعد مجرد ظاهرة اجتماعية، بل أصبحت عاملًا حاسماً في تحديد قوة المنتخبات الوطنية. فمنتخبات مثل فرنسا والمغرب تعتمد بشكل كبير على لاعبين من أصول مهاجرة، مما يجعلها أكثر عرضة للتغيرات في سياسات الهجرة والجنسية.
في النهاية، تذكرنا هذه التجربة بأن كرة القدم، مثل المجتمعات الحديثة، هي نتاج للتنوع والهجرة. فاللاعبون الذين ولدوا في بلد ويمثلون بلداً آخر، هم جزء لا يتجزأ من قصة النجاح الكروي في العديد من البلدان.



