بداية الرحلة مع الإخوان
قبل خطوة من التخرج، وجد أحمد مالك نفسه في مواجهة لحظة فارقة في تاريخ مصر، ثورة 25 يناير. حينها اتخذت جماعته التي انتمى إليها موقفاً متحفّظاً، وأصدرت تعليماتها للأعضاء بعدم المشاركة، بدعوى أن ما يحدث هو حراك مجهول لا يخصهم في شيء. وخلافاً للمتعارف من سلوكيات السمع والطاعة، وبتأثير من صفحة «كلنا خالد سعيد»، خالف قرار التنظيم وانخرط في مظاهرة انطلقت من فيكتوريا إلى سيدي جابر، شباب من أطياف مختلفة يسيرون في ركاب واحد. ساعات تجر ساعات وجاءت تكليفات الجماعة للأفراد بالمشاركة والتلاحم والحشد في الميادين، فكانت كلمة السر لما تملكه من أرضية في الشارع وقدرة هائلة على الحشد والاستقطاب. لم يغب المشهد عن عينيه، ومن وقتها وهو يفكر لماذا أنا إخوان؟ سؤال كلما عاد بذاكرته إلى الوراء لا يجد إجابة له، ربما لأن الانتماء للتنظيم لا يتم بقرار انضمام أو بملء استمارة وانتقال، هو تسلل حذر ومشروط لا يختاره المرء، لكن يجد نفسه مسلوب الإرادة فيه.
من كفر الشيخ إلى الإسكندرية: رحلة الاستقطاب
من كفر الشيخ إلى الإسكندرية، دارت رحلته. خريج كلية العلوم جامعة الإسكندرية الذي ودّع وظيفة مرموقة قبل سنوات السجن، ليعود أدراجه يبحث من جديد عمن يستوعبه. وفي سيرته الذاتية تجارب مريرة، تارة مع التنظيم وتارة في السجن، وأخرى مع فكر تشوه قبل أن يستعيد صوابه. كانت التيارات الإسلامية الثلاثة تسيطر على مساجد مصر، بحصة متساوية كما الكوتة، الإخوان والجماعة الإسلامية والسلفيون. وجدهم أحمد مالك في كفر الشيخ حيث نشأ وفي الإسكندرية حيث درس وأقام. ساعدت على انتشارهم تلك الأنشطة التي يمارسونها في المجتمع، تبدأ اجتماعية ثم توعوية قبل أن ينغرس فيها العضو ويجدها «دينية» صرف.
التجنيد داخل الجامعات
بين عامي 2009 و2010، كانت الجامعة، بصفة عامة، تعج بوجود مكثّف لتلك التيارات. وفي المدينة الجامعية كان حضورهم طاغياً في كل ركن، يتجولون بين الغرف، ويتمركزون في مسجد المدينة بشكل دائم، حتى قبل موعد كل محاضرة، كان لزاماً على الطلاب الاستماع إلى كلمة يلقيها أحد طلاب الإخوان أو آخر من الدعوة السلفية، في إشارة واضحة إلى مدى السيطرة والمساحة التي كانت ممنوحة لهم في المجتمع آنذاك. من بوابة الأسر الطلابية تسلل الإخوان إليه، ومن بوابة مساعدة الآخرين أحب تيارهم وانغرس فيه، دون دراية بمسمى أو توجّه، ودون رفض من المجتمع.
تدرّج معهم من مؤيد إلى منتسب قبل أن يترقى لمنتظم ثم عضو عامل. ولكل تسمية مرحلة ولكل مرحلة أدبيات وشروط انضمام، لا تُتلى على الأعضاء لكن يعلمونها في ما بعد. في البداية تنحصر الأمور في الأنشطة الأولية داخل الجامعة، ولكن بمجرد أن يُبدي الفرد استعداده، ينتقل النشاط إلى خارج الأسوار عبر اللقاءات التنظيمية الخاصة بالجماعة. في هذه المرحلة، لا يدرك المرء أن هذه اللقاءات ذات صبغة تنظيمية أو تتبع الجماعة، بل يظنها أمراً اعتيادياً حتى تتكشّف له الحقائق لاحقاً، ليبدأ الانخراط في ما يُسمى باللقاءات العامة، حسب «بركات»، الشهير بـ«أحمد مالك».
«حديث الثلاثاء».. كيف صنعت الجماعة نفوذها داخل المساجد والنقابات؟
اللقاء العام هو تجمع يُعقد في مساجد ضخمة وتُوجّه فيه الدعوة إلى أكبر عدد ممكن من الناس. كما كانت الجماعة تنظّم فعالية دورية على مستوى الجمهورية باسم «حديث الثلاثاء»، وهي لقاءات يحضرها جميع أفراد الجماعة في المساجد التي يسيطرون عليها. فالمساحات المتاحة للجماعة قبل 2011 كانت شاسعة، بخلاف ما كان يُروّج له، فلم يكن هناك تضييق أمني حقيقي بالمعنى الذي يصورونه.
قبل 2011.. نفوذ واسع وإجراءات أمنية شكلية
وحسب «مالك»، حتى في حال وقوع مظاهرة والقبض على بعض الأفراد، كان يتم إطلاق سراحهم بعد يومين أو ثلاثة دون احتجاز طويل. وامتد النفوذ ليشمل النقابات المهنية كافة، وعلى رأسها الأطباء، ففي مقارها بالمحافظات ودار الحكمة بالقاهرة، كان للأعضاء من الإخوان حرية حركة وسيطرة تامة تفاقمت في الفترة من 2005 إلى 2013. يصف الإجراءات الأمنية التي كانت تُتخذ وقتها بأنها في مجملها شكلية أكثر منها حقيقية، والمواجهات الأمنية لم تكن تتسم بالجدية، فجهاز الأمن حينذاك كان ينتهج سياسة ضرب التيارات ببعضها البعض، فإذا استشعر تزايد نفوذ الإخوان تحرّك بشكل ما، لكنها كانت مناورات لا تهدف إلى استئصال حقيقي بقدر ما تهدف إلى توازنات معينة.
بعد الثورة: وهم التمكين
لم تنتهِ يناير النهاية السعيدة التي توقعها «مالك» ورفاقه من الإخوان، رسّخت لمفهوم مغلوط لدى المجتمع بكامله، فلا يوجد أحد أفضل من أحد، مما دفع الجميع للمطالبة بامتيازات إضافية دون وجه حق. بعد تنحي مبارك، الخطاب الديني رسّخ وهم «التمكين» لدى شباب التنظيم. لم يوجّه «مالك» لومه للجماعة، كان يدرك الأزمة لكنه لا يعي أن السبب فيها هم الإخوان الذين ينتمي إليهم. كان هو وجيله من أعضاء التنظيم واقعين أسرى للخطاب الديني العاطفي الذي تلا تنحي مبارك، والذي يرتكز على الآية الكريمة «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ»، إذ اعتبروا ما حدث مكافأة ربانية لأهل الدين والصلاح.



