بين التصعيد والدبلوماسية.. مستقبل المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران على المحك
في لحظة إقليمية ودولية مشحونة بالتوترات المتصاعدة، يعود الملف النووي الإيراني بقوة إلى واجهة الأحداث العالمية، محاطاً بتصعيد سياسي وعسكري يهدد بإغلاق أبواب الحلول الدبلوماسية بشكل كامل. تصريحات السفير الروسي ميخائيل أوليانوف تسلط الضوء على مفترق طرق حاسم في هذه الأزمة: إما التهدئة الفورية واستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، أو الانزلاق نحو مزيد من التعقيد وربما مواجهة مفتوحة ذات عواقب وخيمة.
تساؤلات ملحة حول مستقبل الاتفاق النووي
في ظل تعثر المسار التفاوضي وتضارب المصالح الدولية المتشابكة، تبرز تساؤلات ملحة حول مستقبل الاتفاق النووي، وحدود الضمانات التي تطالب بها طهران، ومدى استعداد الأطراف المعنية لتقديم تنازلات حقيقية يمكن أن تمهد الطريق لحل دائم. وبين التحذيرات المتكررة من استهداف المنشآت النووية وما قد يحمله ذلك من كوارث محتملة، يقف العالم بأسره أمام اختبار جديد لقدرة الدبلوماسية على احتواء واحدة من أكثر الأزمات حساسية وخطورة في منطقة الشرق الأوسط.
السفير ميخائيل أوليانوف: وقف التصعيد شرط أساسي لاستئناف المفاوضات
قال السفير ميخائيل أوليانوف، مندوب روسيا الدائم لدى المنظمات الدولية في فيينا، إن استمرار أي عملية تفاوضية بين الولايات المتحدة وإيران يتطلب بشكل أساسي وقف الأعمال العدائية وبناء جسور الثقة بين الأطراف المعنية. إلا أن ما حدث على أرض الواقع كان عكس ذلك تماماً، حيث توقفت المفاوضات في مراحل سابقة واندلعت مواجهات متعددة، وهو ما اعتبره خروجاً صارخاً عن الأسس التقليدية للدبلوماسية الدولية.
وأكد أوليانوف خلال مداخلة مع الإعلامي رعد عبدالمجيد، على قناة القاهرة الإخبارية، أن موسكو تدعم بقوة المسار الدبلوماسي وتعترض بشدة على أي حلول عسكرية، معرباً عن أمله الصادق في استئناف المفاوضات بين الجانبين وإفضائها إلى نتائج بناءة تحقق الاستقرار الإقليمي.
وفي ما يخص الضمانات المطلوبة في حال التوصل إلى اتفاق نهائي، أشار أوليانوف إلى أن الجانب الإيراني يطالب باتفاق ملزم قانونياً يتم التصديق عليه دولياً، بما في ذلك من قبل مجلس الأمن الدولي، لضمان تنفيذه بشكل كامل. كما لفت إلى أن طهران تسعى للحصول على ضمانات إضافية قوية، نظراً لعدم إمكانية الاعتماد الكامل على التعهدات السياسية فقط في ظل التقلبات الدولية.
سيناريوهات للتعامل مع اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب
كشف السفير ميخائيل أوليانوف عن عدة سيناريوهات مطروحة للتعامل مع ملف مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب، خاصة عند مستوى 60%، مؤكداً أن هذا الملف لا يزال مرتبطاً بشكل وثيق بمسار المفاوضات الجارية بين الأطراف المعنية. وأوضح أن أي تصور للحل النهائي يعتمد بشكل كامل على نتائج التفاهمات السياسية التي قد تتحقق في المستقبل القريب.
وأضاف أوليانوف خلال نفس المداخلة أن الخيارات المتاحة تشمل:
- نقل اليورانيوم عالي التخصيب إلى الولايات المتحدة.
- إرساله إلى روسيا أو دولة ثالثة محايدة.
- تخفيض نسبة التخصيب داخل إيران مع بقاء الكميات على أراضيها.
معتبراً أن هذا الخيار الأخير قابل للتحقق لكنه يبقى مرهوناً بنتائج التفاوض، مشيراً إلى أن إيران سبق أن رفضت في مراحل سابقة تسليم هذه المواد إلى الولايات المتحدة.
تحذيرات من كارثة نووية أخطر من تشيرنوبل
قال السفير أوليانوف إن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عقد جلسة تناولت تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مشيراً إلى أن النقاشات خلصت إلى أن أي هجوم على المنشآت النووية يُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، إضافة إلى النظام الأساسي للوكالة.
وأوضح نقلاً عن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، أن الأخير شدد مراراً على عدم وجود أي مبرر لاستهداف البنى التحتية النووية السلمية، واعتبر ذلك أمراً غير مقبول على الإطلاق. مضيفاً أن استهداف منشآت نووية سلمية، سواء من قبل إسرائيل أو الولايات المتحدة، ينطوي على مخاطر جسيمة قد تؤدي إلى كارثة نووية طويلة المدى، قد تكون أخطر من كارثة تشيرنوبل عام 1986.
تطورات البرنامج النووي الإيراني في سياق الضغوط
أشار السفير الروسي إلى أن إيران لا تمتلك سلاحاً نووياً حالياً، موضحاً أن مستويات تخصيب اليورانيوم كانت قد بدأت عند نحو 3.6% وفق اتفاق عام 2015، قبل أن تنسحب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة)، ما دفع طهران إلى زيادة نسب التخصيب تدريجياً إلى 5% ثم 20% وصولاً إلى 60%.
وأضاف أن هذه الخطوات جاءت في سياق الرد على الضغوط والعقوبات الأميركية المتتالية، مؤكداً أن جميع المواد المخصبة كانت تخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية حتى منتصف العام الماضي، حين تأثرت قدرة الوكالة على المتابعة بشكل كامل بسبب الظروف السياسية.
واختتم أوليانوف بالتأكيد على أن مسؤولية التصعيد تعود، من وجهة نظره، إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، وليس إلى إيران، داعياً إلى النظر إلى تسلسل الأحداث في سياقها الكامل لفهم جذور الأزمة الحالية.



