"طلقته لا تخطئ".. "الصقر" في "حكاية بطل": شجاعة نادرة ونهاية تليق بالأبطال
"الصقر" في "حكاية بطل": شجاعة ونهاية تليق بالأبطال

في لحظة امتزج فيها الحزن بالفخر، والدموع بالزغاريد، عادت سيرة بطل جديد إلى الواجهة، بعدما نشرت الصفحات الرسمية للمتحدث العسكري للقوات المسلحة، العميد أركان حرب غريب عبد الحافظ، الحلقة الثانية من سلسلة «حكاية بطل»؛ تلك السلسلة التي تسرد بطولات أبناء الجيش المصري وتعيد تقديمهم للأجيال بصورة إنسانية نابضة بالحياة.

النقيب محمد ياسر هوتش

الحلقة الجديدة، التي جاءت تحت عنوان «الصقر»، لم تكن مجرد توثيق عابر، بل كانت شهادة حية على مسيرة الشهيد النقيب محمد ياسر هوتش، أحد أبطال سلاح المظلات، الذي جسَّد معنى الشجاعة والإقدام في مواجهة العناصر الإرهابية في أرض سيناء، قبل أن يختاره القدر ليكون في مصاف الشهداء.

منذ اللحظة الأولى، تأخذ القصة منحنى إنسانيًا عميقًا؛ حيث يروي النقيب خالد عاشور، أحد رفاق السلاح، تفاصيل ليلة الاستشهاد، قائلاً إن «هوتش» تحدث مع أسرته قبل ساعات، ووعدهم بأنه سيكون بينهم في اليوم التالي بعد الصلاة، لكن المشهد الذي تحقق كان مختلفًا، إذ عاد بالفعل بعد الصلاة، لكنه عاد محمولًا على الأعناق، بطلاً وشهيدًا، في مشهد يختزل فلسفة التضحية بأكملها.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

صفات القائد الشاب

لم يكن «الصقر» مجرد ضابط يؤدي واجبه، بل كان نموذجًا للقائد الذي يسبق رجاله في كل شيء؛ في التضحية، في الرعاية، وفي تحمل المسؤولية. ويؤكد رفاقه أنه كان يتحلى بصبر نادر، لا يعاقب من أول خطأ، بل يعلّم ويمنح الفرص، واضعًا راحة جنوده قبل راحته، يطمئن على طعامهم وشرابهم قبل أن يفكر في نفسه. وهذه الصفات صنعت منه قائدًا محبوبًا، لا يُهاب فقط، بل يُحترم ويُقتدى به.

وتكشف الشهادات جانبًا آخر من شخصيته؛ فقد كان جسورًا لا يعرف الخوف، يقتحم المواقع في الصفوف الأولى، ويكون دائمًا في مقدمة رجاله. ويروي أحد زملائه كيف أن جنديًا أنهى خدمته منذ ثلاث سنوات، لم يتمالك نفسه عندما علم بخبر استشهاده، فاتصل ليقدم واجب العزاء، في دلالة على الأثر العميق الذي تركه «هوتش» في نفوس من خدموا معه.

مليونية في جنازة الشهيد

أما النقيب محمود جمال نجيب، فيصف مشهد وداعه بأنه كان استثنائيًا؛ «مليونية» من الحزن، اختلطت فيها أصوات البكاء بزغاريد الفخر، في مشهد مصري خالص يجسد التناقض الجميل بين الألم والاعتزاز. ويضيف أن الشهيد كان قائدًا قويًا دون قسوة، لينًا دون ضعف.

تفاصيل الاستشهاد

تتجلى ملامح البطولة بوضوح في تفاصيل الاستشهاد؛ ففي يوم 30 سبتمبر 2022، وخلال تحرك قوة في سيناء، تعطلت مركبة الشهيد في الرمال، وتلقى أوامر بالعودة إلى مقر القيادة. لكن «الصقر» لم يتراجع، بل أصر مع رجاله على إخراج المركبة، وأخذ الإذن بالانضمام إلى مجموعة الاقتحام، مؤكدًا شغفه الدائم بأن يكون في الصفوف الأمامية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

تصفية عناصر إرهابية

وخلال اقتحام إحدى المزارع التي كانت تتحصن بها عناصر إرهابية، أظهر «هوتش» مهارة قتالية عالية؛ حيث تمكن من تصفية اثنين من العناصر الإرهابية، لكن رصاصة غادرة باغتته من جانب غير متوقع، بعدما احتمى أحد الإرهابيين داخل حفرة مخفية وسط سياج كثيف. ورغم ذلك، واصل رفاقه المهمة حتى تم القضاء على جميع العناصر الإرهابية، واستعادة حق الشهيد.

ذكرى لا تُقدر بثمن

من جانبه، يستعيد النقيب عبد المنعم النجار ذكريات شخصية تكشف عن الجانب الإنساني الدافئ للشهيد. ويقول إنه قبل أيام من استشهاده، اتصل به «هوتش» ودعاه لتناول الغداء معًا، وفي موقف آخر، أعطاه بعض ملابسه ليستعين بها خلال إجازته، وهي أشياء احتفظ بها «النجار» حتى اليوم كذكرى لا تقدر بثمن.

لا نمس أرض أو نقطع شجرة

ويضيف أن آخر إجازة للشهيد كانت تحمل ملامح وداع غير معلن، إذ مر على أفراد أسرته واحدًا تلو الآخر، يسلم عليهم وكأنه يودعهم، في مشهد يثير تساؤلات كثيرة حول إحساسه الداخلي بقرب الرحيل. كما يشير إلى إنسانيته في التعامل مع الأهالي في مناطق العمليات، حيث كان يرفض المساس بأراضيهم أو أشجارهم، مؤكدًا حرصه على حماية كل ما يخصهم.

ترقية لرتبة شهيد

المفارقة الأكثر إيلامًا تكمن في أن يوم استشهاده كان من المفترض أن يكون بداية مرحلة جديدة في حياته العسكرية، إذ كان يستعد لإجازة بهدف خوض اختبارات الترقية إلى رتبة نقيب. لكن، كما قال رفاقه، «ربنا اختار له رتبة أعلى»؛ رتبة الشهيد، التي لا تعادلها أي رتبة أخرى.

قصة «الصقر» ليست مجرد حكاية بطل سقط في ميدان القتال، بل هي رواية متكاملة عن إنسان عاش بقيم، وقاتل بشرف، ورحل تاركًا أثرًا لا يمحى في قلوب من عرفوه، وفي ذاكرة وطن لا ينسى أبناءه.. إنها رسالة متجددة بأن البطولة ليست فقط في لحظة المواجهة، بل في كل تفصيلة إنسانية تسبقها وتصنعها، وما يبقى من أثر بعدها.