نساء غزة يروين حكايتهن مع ثلاثية النزوح والجوع والموت في تحقيق لـ"ذا جارديان"
نساء غزة يروين معاناتهن مع النزوح والجوع والموت

في ظل حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، تواجه النساء الفلسطينيات أوضاعا إنسانية بالغة القسوة نتيجة القصف والنزوح وفقدان الأمان وانهيار مقومات الحياة الأساسية. ويعرض تحقيق نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية شهادات حية وتجارب واقعية لنساء فلسطينيات عشن تفاصيل المعاناة اليومية جراء الحرب، بما في ذلك فقدان أفراد الأسرة، والتشريد المتكرر، وانعدام الرعاية الصحية والغذاء والمأوى.

آثار الحرب العميقة على النساء

ويلقي التحقيق الذي أعدته الباحثة الفلسطينية ألفت الكرد الضوء على التأثيرات العميقة للحرب على حياة النساء، ليس فقط من الناحية الإنسانية والمعيشية، بل أيضا من الناحية النفسية والاجتماعية، حيث أصبحت النساء الفلسطينيات يتحملن أعباء مضاعفة في ظل غياب الاستقرار وتفكك البنية المجتمعية. كما تناقش الباحثة الفلسطينية كيف أثرت الحرب على قدرة النساء على رعاية أسرهن والحفاظ على الحد الأدنى من الحياة الكريمة، مشيرة إلى تجربتها الذاتية، حيث فقدت والدها وشقيقها وزوجة شقيقها وابنتهما، والذين ما زالوا جميعا مدفونين تحت الأنقاض.

تقول الكرد: "في عام 2024، وبعد أشهر من القصف والنزوح والتشريد، تمكنت من الوصول مع عائلتي إلى مصر. ومنذ ذلك الحين وأنا أعيش هنا، لكن ذكريات الحياة في غزة لا تفارقني أبدا. وما حدث لي يعكس الواقع الذي ما زالت النساء الفلسطينيات في غزة يواجهنه خلال الإبادة الجماعية."

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

استشهاد أكثر من 38 ألف فلسطينية خلال الحرب

تضيف الكرد: "أظهر تقرير حديث للأمم المتحدة أن إسرائيل قتلت أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة في غزة منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، بينما أصيبت 11 ألف أخريات بإصابات تسببت لهن بإعاقات دائمة." وتتابع: "كنت أعيش في حي الشجاعية بمدينة غزة مع أسرتي المكونة من ستة أفراد. كانت الحياة تحت الاحتلال الإسرائيلي تتسم بالعنف والخوف وعدم اليقين. ومع ذلك، استطعنا وسط هذا الواقع أن نعيش حياة فيها قدر من الكرامة والاستمرارية، ولحظات من الفرح أيضا. لقد أصبح الصمود في وجه العنف المتواصل شكلا من أشكال مقاومتنا؛ وكنت أوثق انتهاكات حقوق الإنسان في غزة قبل وقت طويل من الإبادة الجماعية."

وتقول الكرد: "لقد نزحت ست مرات قبل أن أصل إلى مصر في أبريل 2024. ففي أكتوبر 2023، غادرت منزلي مع عائلتي، وقضينا أياما ننتقل من مكان إلى آخر تحت القصف العنيف. لجأنا أولا إلى مستشفى الشفاء وسط أعداد هائلة من الجرحى والقتلى. وبعد صدور أوامر بإخلاء شمال غزة، انتقلنا إلى المغراقة ثم إلى خان يونس، حيث عشنا في مركز إيواء تابع لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (أونروا)؛ كان المركز مكتظا بالنازحين، وكنا ننام في خيمة تحت الأمطار الغزيرة، ونعاني للحصول على الماء والطعام والحطب. وأصبحت طوابير الحمامات الطويلة جزءا من حياتنا اليومية. ومن هناك انتقلنا إلى رفح، قبل أن نصل أخيرا إلى مصر."

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

النساء الفلسطينيات تحت الإبادة الجماعية

جمعت الكرد شهادات لنساء ما زلن يعشن في غزة لإعداد تقرير عن الفلسطينيات تحت الإبادة الجماعية، قائلة: "رسمت رواياتهن صورة لمعاناة تتجاوز الاحتياجات الفورية، وتمس عقولهن وأمومتهن وخصوبتهن وقدرتهن على الحفاظ على الحياة. ولن أنسى أبدا قصة صفاء الفرماوي، التي استشهدت ابنتها غزال البالغة من العمر 15 عاما في مركز لتوزيع المساعدات في رفح. فخلال المجاعة، كانت صفاء تذهب يوميا مع أطفالها إلى تلك المراكز على أمل الحصول على طرد غذائي أو كيس دقيق. وهناك أطلق الجيش الإسرائيلي النار على ابنتها وقتلها أمام عينيها بينما كانت تحاول الحصول على المساعدة الغذائية."

وتقول الكرد: "إن الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل لا تقتصر على القتل المباشر، بل تشمل أيضا التفكيك الممنهج لكل جوانب الحياة، وجعل المستقبل الفلسطيني في قطاع غزة مستحيلا، عبر تدمير البنية التحتية والأسس الاجتماعية اللازمة لبقاء الأجيال القادمة وتطورها. وحتى العائلات التي نجت بطريقة ما من العنف، تعرضت لمستويات مروعة من الأذى. فالنساء يقضين ساعات طويلة في الطهي فوق النيران المكشوفة، وغسل الملابس يدويا، والبحث عن الحطب، ومحاولة إعالة أسرهن. وكل هذا بعد الانهيار الكامل لأنظمة الرعاية الصحية والتعليم في قطاع غزة بسبب الهجمات الإسرائيلية، وفق المقال."

حياة بلا خدمات

بحسب التحقيق، مات كثير من الأطفال بسبب سوء التغذية الحاد. أما النساء الحوامل، فمعظمهن لم يتمكن من إجراء الفحوصات الطبية أو متابعة حملهن مع الأطباء. كما عانت كثيرات من نقص الغذاء والفيتامينات الأساسية، مما أدى بدوره إلى سوء تغذية المواليد الجدد. كذلك لم تتمكن العديد من النساء من إرضاع أطفالهن طبيعيا بسبب سوء حالتهن الغذائية، ما جعلهن يعتمدن على الحليب الصناعي الذي كان نادرا أو غير متوفر في كثير من الأحيان.

ويتابع: "العيش في الخيام يؤثر في العلاقات داخل الأسرة. فالعائلات بأكملها تشغل مساحة واحدة، ولا توجد خدمات صرف صحي أساسية، وأصبحت الحياة اليومية تعني التكيف المستمر مع النقص الحاد في المياه ومنتجات النظافة الخاصة بالدورة الشهرية. وقالت لي إحدى الأمهات، وهي أم لستة أطفال: 'كان الحل الوحيد هو استخدام قطع من القماش أو أجزاء صغيرة من الملابس نقصها ونطويها مثل الفوط الصحية، وكان ذلك وضعا صعبا ومقززا للغاية'."

نساء غزة يعشن ظروفا غير إنسانية

تشدد الباحثة الفلسطينية على أن النساء في غزة يعشن ظروفا لا إنسانية، إلى جانب العبء الساحق للتجارب الصادمة، مضيفة: "قالت لي نبيلة عبد النبي، البالغة من العمر 50 عاما، وهي أم لستة أطفال من شمال غرب مدينة غزة: 'لقد دمرت حياتي وتحولت إلى مأساة مستمرة. روحي متعبة، وقلبي يتألم. أبكي على نفسي وعلى الجحيم الذي سقطت فيه. وأتمنى لو أن كل هذا مجرد كابوس، وأنني سأستيقظ منه قريبا'."

وتنقل الكرد عن الفلسطينية الماظة السلطان، البالغة من العمر 46 عاما، وهي أم لخمسة أطفال من بيت لاهيا قولها: "يا نساء العالم، أدعوكن للوقوف معنا. لقد حرمنا من أبسط مقومات الوجود الإنساني. فقدنا منازلنا وحريتنا وخصوصيتنا. لقد دمرت حياتنا كما عرفناها؛ لقد حان الوقت لكي يوقف العالم هذه الإبادة الجماعية. لم يعد بإمكاننا الانتظار أكثر."