عبدالله مجدي يكتب: حسام حسن.. الانتصار على الشك. لا أحد يسرق أحلام الشعوب دفعة واحدة.. هزيمة هنا.. خيبة هناك.. ووعد لا يتحقق.. ثم جملة صغيرة تتردد «إحنا مش قدهم»، وهكذا تتحول خسارة المباريات إلى خسارة أعظم «الحق في الحلم».
من خسارة المباريات إلى خسارة الحلم
لسنوات، لم يكن أخطر ما أصاب الكرة المصرية أننا خرجنا من بطولة أو خسرنا مباراة، بل أننا بدأنا نعتذر عن أحلامنا قبل أن تبدأ. صرنا نبحث عن المنقذ في الخارج، ونصدق أن العبقرية لا تتحدث العربية، وأن هذا البلد لا يُنجب إلا المواهب التي تحتاج إلى من يوقظها من وراء البحر. ومع الوقت، لم تعد الهزيمة نتيجة على لوحة إلكترونية، بل فكرة مستقرة في الرؤوس، حتى بدا كأن الأداء المشرف ليس وصفًا لمباراة، بل سقفًا لحلم أمة.
ظهور حسام حسن.. معركة من الداخل
وسط هذا الركام، ظهر حسام حسن، لم يظهر بوصفه مدربًا يحمل سبورة وخطة لعب، بل رجلاً قرر أن يبدأ المعركة من المكان الذي هزمنا فيه منذ سنوات.. من داخلنا. لم يطلب من لاعبيه أن يركضوا أكثر، بقدر ما طلب منهم أن يخافوا أقل. ولم يحدثهم عن أسماء المنافسين، بقدر ما أقنعهم أن القميص الذي يرتدونه لا يقل هيبة عن أي قميص آخر، إذا امتلأ بمن يؤمن به. وحين صدّق اللاعبون.. صدقهم شعب كامل.
الإيمان يظهر على العشب الأخضر
لم يكن ذلك الإيمان مجرد شعور جميل يقال في الخطب، بل ظهر على العشب الأخضر، في مباريات دخلها العالم وهو يعرف اسم المنتصر، ثم خرج وهو يسأل: من هؤلاء؟ منتخب تلو الآخر اكتشف أن القميص المصري لا يحمل تاريخًا يُروى فقط، بل يحمل رجالاً يكتبون تاريخًا جديدًا. لم يكن المنتخب يحرج منافسيه وحدهم، بل كان يحرج توقعات كثيرة، ويكسر ذلك الاعتقاد القديم بأن أقصى ما تستطيع مصر أن تقدمه هو الأداء المشرف. وحين بلغ المنتخب دورًا لم يتوقع كثيرون، لم يكن الإنجاز في النتيجة وحدها، بل في الطريقة التي عاد بها المصري ينظر إلى نفسه.
لحظة الظلم والموقف المبدئي
ثم جاءت لحظة الظلم. وكان في الإمكان أن تمر كما مرت وقائع كثيرة، وأن تدفن تحت العبارة الأسهل: «هذه هي كرة القدم». لكن بعض الرجال لا يحتملون أن يتحول الظلم إلى أمر عادي. تكلم حسام حسن، لا لأنه كان يظن أن صوته سيغير نتيجة مباراة انتهت، بل لأنه كان يعرف أن الصمت هو الهزيمة الوحيدة التي لا يمكن تعويضها. فالحقوق لا تضيع يوم تسلب، بل يوم يعتاد أصحابها السكوت عنها.
الموقف من فلسطين.. ضمير لا يعرف الجغرافيا
ولذلك، لم يكن موقفه من فلسطين مفاجئًا. فالذين يقيسون الأشياء بميزان الكرامة، لا يبدلون موازينهم كلما تبدلت المصالح. الضمير لا يعرف الجغرافيا، والحق لا يحتاج إلى تأشيرة حتى نعترف به. قد تختلف مع الرجل في رأي، لكنك تعرف أين يقف، وتعرف أن صوته لا يبحث عن التصفيق، بقدر ما يبحث عن الحق.
انتصار على الشك.. إرث يتجاوز الأهداف
سيحتفظ التاريخ بالأهداف، وستحفظ السجلات أسماء أصحابها، وربما تنسى الجماهير كثيرًا من التفاصيل، كما نسيت بطولات سبقتها. لكن هناك أشياء لا تعرفها الجداول، ولا تقيسها الإحصاءات، ولا تراها الكاميرات.. أن رجلاً اسمه حسام حسن خاض أصعب مباراة في حياته، لا أمام أحد عشر لاعبًا.. بل أمام الشك الذي كان يسكن قلوب بعض المصريين.. وانتصر.



