في التاسع من يوليو عام 2006، رحل الفنان عبدالمنعم مدبولي عن عالمنا، تاركاً إرثاً فنياً كبيراً امتد لأكثر من ستة عقود. لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو عمق الصداقة التي جمعته بالفنان توفيق الدقن، والتي استمرت لأكثر من 40 عاماً.
صداقة تجاوزت الزمالة الفنية
في لقاء تلفزيوني نادر مع الإعلامي مفيد فوزي، وصف توفيق الدقن علاقته بعبدالمنعم مدبولي بأنها ليست مجرد صداقة، بل علاقة تلميذ بأستاذه. قال الدقن: "لا أعتبره مجرد صديق، بل واحداً من الأساتذة الذين تعلمت على أيديهم". وأضاف أن مدبولي كان يهتم لأمره عندما كان شاباً هاوياً، قبل التحاقه بمعهد الفنون المسرحية.
اليتم المبكر شكّل شخصية مدبولي
أرجع توفيق الدقن الكثير من صفات عبدالمنعم مدبولي إلى ظروف نشأته الصعبة. فقد عاش مدبولي اليتم في سن مبكرة، مما جعله شخصاً مسؤولاً عن أسرته وأشقائه منذ الصغر. وأكد الدقن أن هذه التجربة القاسية جعلت منه إنساناً حريصاً مجتهداً، كما فجرت بداخله طاقة كوميدية هائلة كوسيلة للتعامل مع الحزن الذي عاشه.
حقيقة "البخل" المزعومة
عندما سأله مفيد فوزي عن الشائعات التي تتردد حول "بخل" عبدالمنعم مدبولي، رد توفيق الدقن بحسم: "ده شخص عارف قيمة القِرش ويصرفه إزاي". وأوضح أن مدبولي كان حريصاً على ماله لأنه عاش يتيماً وأصبح مسؤولاً عن عائلته. وضرب مثالاً بأن مدبولي كان يمتنع عن شراء السجائر أو يطلب سيجارة واحدة فقط، لأنه لا يضيع ماله في غير الضروري. وأكد الدقن أن هذا ليس بخلاً بل حرصاً ناتجاً عن تجربة قاسية في الصغر.
بداية العلاقة الفنية
كشف توفيق الدقن أنه قبل دخوله عالم الفن كان موظفاً في السكك الحديدية، وكان يتردد على مسارح الهواة مع أصدقائه. تعرف على عبدالمنعم مدبولي في الأربعينيات، وأخرج له مدبولي أول رواية مسرحية بالاشتراك مع الفنان عبدالمنعم إبراهيم. ومنذ تلك اللحظة، أصبح مدبولي مرشداً فنياً للدقن، الذي يعتبره أحد أهم أسباب نجاحه في مشواره الفني.
فشل "حسبة برما" وبكاء الجميع
تحدث توفيق الدقن عن واحدة من أصعب المحطات في مسيرتهما الفنية، وهي فشل العرض الأول لمسرحية "حسبة برما". قال الدقن إنه بالتعاون مع سعد أردش وعبدالمنعم مدبولي، استأجروا المسرح القومي في بداية تأسيس "المسرح الحر"، وهو الاسم الذي أطلقه مدبولي على فرقتهم. وقعوا شيكاً على بياض بمبلغ 600 جنيه، رغم أنهم لم يكن معهم أي أموال. قال الدقن: "لم يكن معنا ولا مليم، وسعد أردش قالي هنتحبس، قولتله يحبسونا كده كده مش معانا حاجة". استأجروا المسرح مقابل 20 جنيهاً في الليلة لمدة 30 يوماً، لكن في الأيام الأولى لم يحضر أحد لمشاهدتهم، وكان الإيراد لا يتجاوز جنيه ونصف في اليوم لمدة خمسة أيام.
بكاء وخلاف وانتهى بعزومة وداد حمدي
وعند سؤال مفيد فوزي عما إذا كان عبدالمنعم مدبولي قد بكى بعد الفشل، رد توفيق الدقن بأن الجميع تشاجروا وكادوا أن يضربوا بعضهم لولا تدخل الفنانة وداد حمدي. قامت وداد بدعوة الفريق بأكمله إلى عزومة كبيرة في منزلها، وأنهت الخلاف بينهم. وبعد ذلك، حضرت مجموعة من طلاب السودان الزائرين لمصر، وشاهدوا العرض، وانتشرت شهرتهم، وحققوا نجاحاً كبيراً بعد ذلك.
هذه القصص وغيرها تكشف عن عمق العلاقة الإنسانية والفنية بين اثنين من أعلام الفن المصري، عبدالمنعم مدبولي وتوفيق الدقن، والتي استمرت أربعة عقود من العطاء والصداقة الحقيقية.



