في كتاباته عن الموسيقى، كان إبراهيم شفيق يرى أن النغمة ليست مجرد صوت، بل "ذاكرة تُعزف"، تحمل ملامح زمنها وتعيد تشكيل الوجدان كلما لامست الأذن. من هذا المعنى تحديدًا، يمكن قراءة حكاية معهد الاتحاد الموسيقي، ليس فقط كمكان لتعليم العزف، بل كمساحة تقاوم التآكل، وتحاول أن تُبقي الذاكرة حية رغم قسوة الزمن.
شقة عتيقة تحتضن تاريخًا كاملًا
داخل إحدى عمارات وسط البلد، وعلى مقربة من قصر عابدين، تقع شقة قديمة بنظام الإيجار القديم، تتحول خلف بابها إلى عالم آخر. هنا لا توجد لافتات براقة أو تجهيزات حديثة، بل جدران متهالكة، وأسقف عالية، وأثاث كلاسيكي يغطيه الغبار. الأرضيات المزخرفة فقدت بريقها تحت وطأة الزمن، والنوافذ العتيقة تطل على مشهد باهت من القاهرة الخديوية. ومع ذلك، تملأ المكان نغمات العود والكمان، بأصابع طلاب يحاولون شق طريقهم في عالم الموسيقى، وكأن الصوت وحده هو ما يرمم ما أفسده الزمن.
ترميم على نفقة خاصة وصراع مع الإهمال
لم يقف هذا المشهد عند حدود الوصف، بل دفع الدكتور عادل مصطفى، مدير المعهد، للتحرك. ففي ظل غياب أي دعم مادي، بدأ منذ فترة أعمال تجديد محدودة داخل الشقة. يقول مصطفى: "المعهد، رغم تبعية الأرض لوزارة الأوقاف، لا يتلقى أي تمويل. اضطررت أجدد المكان على نفقاتي الخاصة، كلفني عشرات الآلاف". وبين متابعة أعمال الإصلاح، يواصل تدريس آلة العود بنفسه، في مشهد يجمع بين الإدارة والتعليم، ويعكس إصرارًا شخصيًا على بقاء المكان حيًا، حتى ولو بإمكانيات محدودة.
من جمعية إلى منبع نجوم
تعود جذور المعهد إلى عام 1930، حين بدأ كجمعية لمحبي الموسيقى، قبل أن يتم إشهاره رسميًا، ليصبح واحدًا من أقدم الكيانات الموسيقية في مصر والمنطقة. على مدار تاريخه، مر من هنا عدد من كبار رموز الفن، من بينهم: محمد عبد الوهاب، محمد القصبجي، وفريد الأطرش. كما شهد المكان بدايات قارئ القرآن الشهير عبد الباسط عبد الصمد، في تجربة نادرة جمعت بين الموسيقى والتلاوة داخل نفس الجدران.
ذاكرة محفوظة في دفاتر قديمة
ما زال المعهد يحتفظ بدفاتر قديمة تحمل توقيعات فنانين ومطربين مروا من هنا، لتبقى شاهدة على تاريخه. هذه الوثائق ليست مجرد أوراق، بل دليل على أن هذا المكان الصغير كان يومًا ما بوابة عبور نحو النجومية. ويروي القائمون عليه أن فريد الأطرش أشار في حديثه إلى بداياته داخل المعهد، حين كان يبحث عن فرصة، وهو ما يعكس دور المكان كحاضنة للمواهب في مراحلها الأولى.
الطلاب: اختيار العراقة رغم البساطة
بالنسبة للطلاب، لا تزال قيمة المعهد حاضرة. يقول خلاد علي، أحد طلاب قسم العود، إنه التحق به بدافع حبه للموسيقى وإعجابه بتاريخ المكان، إلى جانب انخفاض المصروفات مقارنة بغيره. يضم المعهد أقسامًا لتعليم العزف على العود، الكمان، الجيتار، البيانو، إلى جانب المقامات الصوتية، بإشراف متخصصين، ما يمنح الطلاب تجربة تعليمية حقيقية رغم ضعف الإمكانيات. كما يستقبل المعهد حالات من ذوي الاحتياجات الخاصة، في إطار استخدام الموسيقى كوسيلة دعم وعلاج، وهو ما يضيف بعدًا إنسانيًا لدوره.
ما مصير المعهد؟
رغم كل هذا التاريخ، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا بعد؟ فالمعهد ليس مبنى مملوكًا، بل شقة بنظام الإيجار القديم، ما يفتح الباب أمام سيناريو الإخلاء في أي وقت، خاصة في ظل التغيرات القانونية والضغوط العقارية. ومع ضعف الإمكانيات وغياب الدعم الرسمي، يصبح مصير هذا الكيان مهددًا. هل يجد المعهد مقرًا بديلًا يحفظ تاريخه؟ أم تتحول هذه الذاكرة الموسيقية إلى مجرد حكاية تروى؟
بين ذاكرة تُعزف ومستقبل مجهول
يقف معهد الاتحاد الموسيقي اليوم على حافة معادلة صعبة: تاريخ عريق من جهة، وواقع هش من جهة أخرى. شقة قديمة تحتضن ذاكرة فنية هائلة، لكنها مهددة بالاختفاء. ورغم ذلك، لا تزال النغمات تخرج من بين الجدران، كأنها محاولة أخيرة للتمسك بالحياة. ففي النهاية، كما قال إبراهيم شفيق، تظل الموسيقى هي الذاكرة التي تقاوم النسيان حتى آخر نغمة.



