بجسمه الداكن ومنقاره الأصفر الزاهي، يلفت طائر المينا الهندي الأنظار، للوهلة الأولى تأسرك براءة الشكل، يطير بين الحقول وأعلى أعمدة الكهرباء، صوته حاد ومتكرر، يقلد كل ما يسمعه بإتقان شديد. هذا المشهد أصبح مألوفًا في السنوات القليلة الماضية، حينما قرر هذا الطائر أن يستوطن البيئة المصرية، محدثًا خللًا وكثيرًا من التحذيرات. "المينا الهندي" لم يكن يومًا جزءًا من الطبيعة المصرية الأصلية، إلا أنه تمكن منذ جاء في أواخر التسعينيات من فرض حضوره، مستفيدًا من قدرته على التكيف مع البيئات المختلفة.
ظهور طائر المينا الهندي في مصر قبل أكثر من ربع قرن
ظهر طائر المينا الهندي في مصر قبل أكثر من ربع قرن، لكن هذا الطائر القادم من جنوب آسيا استطاع خلال سنوات قليلة أن يوسع نطاق انتشاره. وتشير تقديرات الجهات المعنية بحماية الطبيعة، وفقًا لبيان صادر عن وزارة التنمية المحلية والبيئة، إلى أنه من أخطر الطيور الدخيلة والغازية، وهو ما ساعده على الانتشار تدريجيًا منذ تسجيله لأول مرة في شبه جزيرة سيناء عام 1999، وصولًا إلى القاهرة الكبرى ومدن القناة والدلتا وبعض محافظات الصعيد والمناطق الساحلية.
ينتمي طائر المينا الهندي إلى فصيلة الزرازير، ورتبة العصفوريات، ويبلغ طوله نحو 23 إلى 26 سنتيمترًا، ويمكن تمييزه بسهولة من خلال جسمه البني الداكن ورأس وعنق أسودين، مع وجود بقعة صفراء عارية حول العين ومنقار وأرجل صفراء زاهية، كما يظهر شريط أبيض واضح على الأجنحة أثناء الطيران. لكن ما يجعل هذا الطائر مختلفًا عن غيره ليس شكله فقط، فهو يعيش بالقرب من التجمعات السكانية، ويتغذى على أنواع متعددة من الطعام، بدءًا من الحشرات والحبوب وصولًا إلى بقايا الطعام والمخلفات المنتشرة في بعض المناطق الحضرية.
سلوك عدواني وتخريبي يهدد الطيور المحلية
يصف محمد خالد، أحد هواة تربية الحمام، سلوك طائر المينا بأنه "تخريبي"، ويضرب مثالًا: "بيخش في أبراج الحمام ياخد الفرخ اللي لسه طالع من البيض ويرميه بره البرج". ويؤكد سالم هاني، الذي رصد الطائر في أكتوبر، أنه بعد مراقبته لعدة أيام اكتشف عدوانيته وكرهه للكائنات الأخرى خاصة من الطيور.
أما في محافظة المنوفية، اضطر المزارع عبد الجواد سعيد إلى التخلص من محصول الطماطم بعدما أتلفه مجموعة من طيور المينا، قائلًا: "بينقّر في الثمرة ويسيبها ويمشي حتى مش بياكلها كلها". في البداية كانت أعداد الطير بسيطة، ولكن بمرور الأيام وجد أعدادًا كبيرة تأتي في مجموعات فسببت له خسائر فادحة، وتواصل مع صيادين طيور معروفين للتخلص منهم.
وزارة البيئة: الطائر يضر البيئة المصرية بشكل كبير
قال مصدر مسؤول بوزارة البيئة في تصريحات خاصة لـ"الوطن": إن الوزارة تنصح بعدم بيعه وشرائه وتداوله بأي شكل من الأشكال، سواء في الأسواق أو أونلاين، وما تحث عليه هو صيده، وتطلب دائمًا من الصيادين المحترفين والهواة ممارسة تلك الهواية للحد من انتشاره، كونه يضر بالبيئة المصرية بشكل كبير. تعتمد جهود الوزارة على المتابعة الدورية ورسم خرائط للتوزيع الجغرافي للطائر، إلى جانب تسجيل المشاهدات وإجراء عمليات عد منتظمة لتقييم تطور أعداده من منطقة إلى أخرى.
كما تشمل الإجراءات المتبعة إزالة الأعشاش خلال الفترات المناسبة وسد الفتحات والأماكن التي يستخدمها الطائر في التعشيش داخل المباني والمنشآت، بما يقلل من فرص تكاثره وانتشاره. ويعتبر توافر الغذاء أحد أهم العوامل التي تشجع المينا الهندي على الاستقرار والتكاثر، لذلك تركز خطط الوزارة على تقليل مصادر الطعام المكشوفة في المناطق الحضرية، وتشمل هذه الإجراءات إحكام غلق صناديق القمامة، ومنع إلقاء بقايا الطعام في الشوارع، وتحسين مستويات النظافة في الأسواق والموانئ، فضلًا عن الإدارة السليمة للمخلفات الزراعية.
كيف غزا "المينا" مصر؟
يقول أحمد وحيد، عضو الجمعية المصرية لحماية الطبيعة، إن الاسم العلمي الصحيح للطائر المعروف شعبيًا بـ"المينا الهندي" هو "الماينا الشائعة"، موضحًا أن التسمية المتداولة ليست سوى اسم شعبي. ويوضح أن هناك ثلاث فرضيات رئيسية تفسر وصول الطائر إلى مصر: الأولى تشير إلى انتقاله عبر السفن التجارية القادمة من جنوب شرق آسيا، والثانية تفترض هروبه من مزارع خاصة في الأراضي الفلسطينية المحتلة قبل أن ينتشر طبيعيًا، بينما رجح أن يكون السبب الأكثر واقعية هو هروب أفراد كانت تُربى كطيور زينة لدى الهواة، نظرًا لقدرتها الكبيرة على تقليد الأصوات والكلمات، ثم نجاحها في التأقلم والتكاثر داخل البيئة المصرية.
ويشير إلى أن أول تسجيل موثق للطائر في مصر يعود إلى عام 1998 بمدينة العين السخنة، مؤكدًا أن الماينا الشائعة أصبحت منتشرة حاليًا في معظم المحافظات، باستثناء بعض المناطق الصحراوية. ويضيف أن الماينا الشائعة تُعد من الطيور القارتة (Omnivore)، إذ تتغذى على مختلف أنواع الغذاء، وهو ما يجعلها تشكل تهديدًا للمحاصيل الزراعية، خاصة الفاكهة، لافتًا إلى أنه شاهد بنفسه حالات أتلف فيها الطائر أجزاء كبيرة من محاصيل مثل الطماطم والفراولة وغيرها، بما يسبب خسائر للمزارعين.
ويلفت إلى أن الطائر قد ينقل بعض المسببات المرضية، من بينها السالمونيلا، لذلك لا يُنصح باستهلاكه كغذاء. وأكد أن الزوج الواحد من الماينا الشائعة يمكن أن ينتج ما بين أربعة وسبعة فراخ خلال الموسم الواحد.
مطالب بخطة حكومية لمواجهة الانتشار
شدد "وحيد" على أن مواجهة انتشار الطائر تتطلب خطة حكومية متكاملة تشارك فيها عدة جهات، وليس وزارة البيئة وحدها، موضحًا أن إزالة الأعشاش من أعمدة الكهرباء أو المنشآت المختلفة تستلزم تنسيقًا مع الجهات المعنية، إلى جانب الاستفادة من خبرات الصيادين المحترفين في برامج المكافحة. كما أكد أن سلوكيات المواطنين لعبت دورًا في انتشار الطائر، وفي مقدمتها سوء إدارة المخلفات وإلقاء القمامة في غير الأماكن المخصصة، ما وفر مصدرًا دائمًا للغذاء وساعد على زيادة أعداده.
وحذر من أن تأخير جهود المكافحة سيزيد من صعوبة السيطرة على الطائر، موضحًا أن مكافحة مئات الطيور تختلف كثيرًا عن مكافحة آلاف أو عشرات الآلاف منها، لذلك فإن التدخل المبكر هو الأقل تكلفة والأكثر فاعلية في منع حدوث خلل بيئي. وأضاف أن اختفاء الماينا الشائعة من مصر لن يسبب اضطرابًا بيئيًا، لأنها ليست من الأنواع الأصلية في البيئة المصرية، بل إن تقليل أعدادها سيساعد الأنواع المحلية على استعادة أعدادها الطبيعية.
بيع في الخفاء وسوق موازية على الإنترنت
رغم التحذيرات، تشهد أسعار أفراخ طائر المينا تفاوتًا كبيرًا حسب النوع والتدريب ومنطقة البيع، ويتعذر تسعيره والعثور عليه على أرض الواقع، لكن على الإنترنت ومجموعات البيع والشراء على فيس بوك، البضاعة رائجة. وتحت عنوان "طيور المينا بيع وشراء في مصر"، أنشئت مجموعة عامة يُباع ويُشترى الطائر منذ عام 2025. وعرض عبد الجواد الكعبي زوجًا آخر للبيع مقابل 3 آلاف جنيه عبر market place على فيس بوك، ووضع في مواصفاته "أليف، بيقلد الأصوات، بيغني، بيتكلم، نضيف من غير حشرات، جاهز للتربية".
معركة الحد من الانتشار وخطة الاحتواء
يقول كريم الكراني، رئيس جمعية الصيادين المصريين للخدمات والتنمية، إن الصيد المقنن يُعد من أكثر الوسائل أمانًا وفاعلية للحد من انتشار طائر الماينا الشائعة، مشيرًا إلى أن الجمعية تمتلك شبكة من الصيادين المحترفين والمدربين في مختلف المحافظات، نجحت بالفعل في اصطياد أعداد كبيرة من الطائر بجهود ذاتية. ووصف سلوك المينا الشائعة بالعدواني، مؤكدًا قدرتها على الإضرار بالنظام البيئي المحلي، موضحًا أنها تهاجم أعشاش الطيور المصرية، مثل الهدهد وأبو قردان والحمام والعصافير، وتقتل فراخها وتحطم بيضها للاستيلاء على أماكن تعشيشها.
وأضاف أن الجمعية رصدت ميدانيًا انتشار الطائر في عدد من المناطق، وتلقت شكاوى متكررة من مزارعين وهواة بشأن تأثيره السلبي على المحاصيل والطيور المحلية. وأكد أن السبب في ارتفاع أسعار الطائر وزيادة تداوله في الأسواق هو ارتفاع الطلب من بعض الهواة الراغبين في تربيته، إلى جانب سعي بعض التجار لتحقيق أرباح سريعة مستغلين الجدل الدائر حوله، محذرًا من أن التجارة العشوائية في الطيور الغازية قد تؤدي إلى تفاقم المشكلة البيئية، مطالبًا بإحكام الرقابة على الأسواق.



