مؤشرات جديدة في الحرب الأوكرانية
بعد أكثر من 4 سنوات على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، بدأت مؤشرات جديدة توحي بأن ميزان المعركة لم يعد يميل بالكامل إلى موسكو كما كان خلال العامين الماضيين. فبينما تواصل القوات الروسية تحقيق مكاسب محدودة في بعض جبهات الشرق، نجحت أوكرانيا في تطوير أساليب قتال جديدة، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة، ما مكنها من نقل المعركة إلى العمق الروسي وإلحاق خسائر متزايدة بالجيش وقطاع الطاقة الروسي.
المسيّرات تغير قواعد الحرب
أصبحت الطائرات المسيّرة السلاح الأكثر تأثيرًا في المعركة خلال عام 2026. فإلى جانب استخدامها في استهداف القوات الروسية على خطوط القتال، وسعت أوكرانيا نطاق عملياتها لتشمل مصافي النفط ومستودعات الوقود والبنية التحتية للطاقة داخل الأراضي الروسية، وصولًا إلى مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن الجبهة.
وتسببت هذه الضربات في اضطراب إمدادات الوقود، خاصة في شبه جزيرة القرم والمناطق الجنوبية، كما أجبرت موسكو على توزيع دفاعاتها الجوية على مساحة شاسعة، وهو ما قلل من قدرتها على حماية جميع المنشآت الحيوية في وقت واحد. ويرى محللون عسكريون أن اتساع مساحة روسيا، الذي كان يُعد أحد أهم عناصر قوتها الاستراتيجية، تحول تدريجيًا إلى نقطة ضعف مع تزايد مدى الطائرات المسيّرة الأوكرانية وصعوبة تأمين جميع الأهداف الحساسة.
تباطؤ التقدم الروسي
ورغم استمرار القوات الروسية في التقدم داخل أجزاء من إقليم دونيتسك، فإن هذا التقدم أصبح أبطأ وأكثر كلفة مقارنة بالعام الماضي. ويؤكد خبراء عسكريون أن أوكرانيا تمكنت من تطوير تكتيكات فعالة لمواجهة أساليب القتال الروسية، من خلال تعزيز الدفاعات الإلكترونية ضد المسيّرات، وتحسين عمليات رصد مجموعات المشاة الروسية التي تعتمد على التسلل خلف خطوط الدفاع.
كما بدأت الوحدات الأوكرانية في تنفيذ هجمات مضادة محدودة نجحت في استعادة بعض المواقع، ما أدى إلى تحول الجبهة إلى ساحات كر وفر بدلًا من التقدم الروسي المستمر الذي ميز معظم عام 2025.
خسائر بشرية متزايدة
في المقابل، تتزايد الضغوط على الجيش الروسي نتيجة ارتفاع معدلات الخسائر البشرية. وتشير تقديرات مسؤولين أمريكيين وأوكرانيين إلى أن روسيا تخسر نحو 30 ألف جندي بين قتيل وجريح شهريًا للحفاظ على خطوطها الحالية، في وقت باتت فيه عمليات التجنيد الجديدة أقل من حجم الخسائر، ما أثار تكهنات بإمكانية لجوء الكرملين إلى تعبئة عسكرية أوسع، وهي خطوة تجنبها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حتى الآن بسبب كلفتها السياسية. ويرى بعض المحللين الروس أن الجيش يواجه علامات إرهاق واضحة، مع استمرار الحرب دون تحقيق اختراقات استراتيجية حاسمة.
نقاط قوة أوكرانيا.. ونقاط ضعفها
ولا تزال كييف تواجه تحديات كبيرة، أبرزها النقص في منظومات الدفاع الجوي، خاصة صواريخ «باتريوت» اللازمة لاعتراض الصواريخ الباليستية الروسية التي تستهدف العاصمة كييف ومدنًا أخرى. كما نقلت وكالة «رويترز»، عن مصدر مطلع على الأمر، إن ألمانيا تمول شراء 50 ألف طائرة هجومية بدون طيار لأوكرانيا، في صفقة تعد واحدة من أكبر عمليات شراء الطائرات بدون طيار لكييف من قبل حكومة غربية.
ويؤكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن الهجمات الصاروخية بعيدة المدى تمثل آخر ورقة تفوق استراتيجية تمتلكها موسكو، مطالبًا الدول الغربية بتوسيع الدعم العسكري لضمان استمرار قدرة أوكرانيا على حماية مدنها. كما أعلن زيلينسكي عن تعديلات واسعة في القيادة السياسية والحكومية، شملت تغيير رئيس الوزراء وعددًا من كبار المسؤولين، في إطار إعادة هيكلة تهدف إلى تسريع توفير الأسلحة وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودعم المناطق القريبة من خطوط القتال.
هل اقترب وقف إطلاق النار؟
ورغم التحولات الأخيرة، لا يرى معظم الخبراء أن الحرب اقتربت من نهايتها، فالتوازن الحالي يقوم على استنزاف متبادل أكثر من كونه انتصارًا حاسمًا لأي من الطرفين. ويعتقد بعض المسؤولين الأمريكيين أن الضغوط العسكرية والاقتصادية قد تدفع موسكو لاحقًا إلى قبول وقف لإطلاق النار يجمد خطوط القتال الحالية، إلا أن مؤشرات عديدة توحي بأن الرئيس الروسي لا يزال متمسكًا بأهدافه الأصلية، التي تشمل فرض تنازلات إقليمية على أوكرانيا والحفاظ على النفوذ الروسي داخلها.
وفي المقابل، يرى خبراء عسكريون أن نجاح أوكرانيا في تحسين قدراتها الهجومية والدفاعية منحها زمام المبادرة في بعض الجبهات، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى يسمح بإجبار روسيا على إنهاء الحرب بشروط كييف.



